يقتضيه ذلك من براعة وإعداد .. كل هذا النشاط الإنسانى كان فروعا لشجرة واحدة، يغذيها وينميها روح واحد، وتدوى أو تزدهر في ظروف متقاربة. كان الإسلام هو المعنى الجامع المحيط بهذه الحياة الممتدة المتشابكة. يدخل الرجل المسجد بالحالة التى يدخل بها المتجر أو الديوان. ويسمع النداء للجهاد فيجود بنفسه، أو بابنه لله، دون ارتياب. ويذهب إلى المحكمة ليستقبل حكم القاضى بإقامة الحد أو القصاص، وهو شديد التسليم لإرادة الله. لقد رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. وفى ظلال هذا الرضا يقبل ويدبر، ويضحك ويبكى، ويحيا ويموت.
ولقد طوت الأمة الإسلامية قرونا عديدة، وجازت عقبات كؤودا، وهى مشدودة الأواصر بهذه المواريث الروحية والفكرية، محكمة النسج بتلك الروابط المادية والأدبية. يصعد الجد بها ويكبو، وتمر بها أيام سعد ونحس. حتى تعرضت منذ قرن لأخبث استعمار عرفته منذ وجدت. فإذا هذا الاستعمار يصوب قذائفه بمهارة ودأب نحو مواريثنا الثقافية، ويبذل آخر ما لديه من دهاء وعنف لجعل الأمة برمتها في ناحية، وجعل تعليمها وتشريعها وخلقها وأمانيها في ناحية أخرى غير ما تؤمن به وتحن إليه .. إنه يحول بين المرء ونفسه ... إنه يحول بين الأمة، وروحها، وضميرها، وتاريخها، ورسالتها. وهو بهذه الحيلولة يحكم عليها بالموت البطئ أو السريع، على قدر ما يلقى من نجاح في كيد!! أجل. إن القضاء على ميراثنا الروحى والفكرى ـ نحن المسلمين ـ هو التمهيد الحاسم للقضاء علينا إلى الأبد.
1 ص