ماذا يصنع الإسلام أبعد من هذا في توسيع ميدان العمل الصالح؟ ماذا يصنع بعد أن جعل روث الدابة المعدة للخير في ميزان الحسنات؟ هل يدرى العامل المعفر الجبين بسواد الدخان، وغبار الجو، أن كفاحه هذا نور يشرق به جبينه يوم القيامة، إذا كان نظيف النية في عمله، نبيل الغاية في سعيه؟؟! الأعمال المعتادة كلها، التى يباشرها الناس من كل جنس على أنها شئ طبيعى في حياتهم، أو على أنها مأرب شخصى، أو خدمة جماعية .. هذه الأعمال كلها إذا باشرها امرؤ أسلم لله وجهه، وأحسن من أجله عمله فهى ـ على اختلاف فنونها، وسعة ميادينها - واشتمالها على تجارة أو زراعة أو كتابة أو دراسة ... الخ: أعمال صالحة مؤكدة الثواب .. !! (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وتتحول الأعمال العادية إلى فرائض محتومة مثل الصلوات المكتوبة إذا ارتبطت رسالة الأمة بها وتوقف نجاحها على التفوق فيها .. وفى هذا الزمان ليس نهوض المسلم إلى تجربة كيماوية، أو صناعة آلية، بأقل من نهوضه لصلاة يفتتحها بتكبير الله، ويختتمها بالسلام على خلقه!!! على هذه الركائز من رسوخ اليقين، وشمول العمل قام الفكر الإسلامى والمجتمع الإسلامي. انطلقت الحضارة الإسلامية صعدا تشق طريقها في أطواء التاريخ، وتصنع للإنسانية جمعاء ما لم تصنعه حضارة أخرى .. لم يكن البشر في ظلها يعانون فراغا ما في صلاتهم بأنفسهم أو صلات بعضهم بالبعض الآخر، أو صلاتهم جميعا بالدولة الموجهة وإن اضطرب حبل الحكم .. ونهضت الثقافة الإسلامية بعبئها في كل ميدان. فدراسة القانون وتطبيقه، ودراسة الخلق وتطبيقه، وتعليم الآداب من شعر ونثر، وتعهد الأولاد بالتربية، وضبط التقاليد الشائعة بين شتى الطبقات، وإجادة الحرف والمهن والفنون التى يستمسك بها العمران، وسد حاجات البلاد العسكرية وما 134