جوها، ويذوق السعادة في نطاقها، ويشعر بالغربة بعيدا عنها، ويستوحش من كل شئ يعكر عليه الخلوة بها!!! على أن هنا لفتة ... أن أحدا لن يفرض على الله صداقته، فالله تبارك وتعالى هو الذى ينظر إلى عباده، ويمتن على من شاء منهم بقوة الصلة، وجميل الرعاية ... وهذه اللفتة مفهومة من قوله: فإذا أحببته كنت سمعه ... الخ. أى جلوت العوائق والشواغل عن حسه ومعناه فصار يسمع بى، ويبصر بى. ومن الجهل توهم أن هذا الذكر المشرق بالله، لا يكون إلا في خلوة من الناس، أو لا يتم إلا بعد فرار من المجتمع، كلا ... إن هذا الذكر مخلوط بعمل المرء داخل الحياة نفسها، وبتصرف يده ورجله، وسط ضجتها الكبرى .. !! وأروع ما في الحديث هو التنويه بأن المسلم إذا فنى في رسالة .. اشتغل بها كلا وجزءا، فهو يرضى لله ويسخط لله، ويطعم لله ويتبسط لله، وينام لله ويصحو لله، ويجم ويكدح لله .. الخ. لقد تحول ـ في ميدان الحياة الرحبة، وعلى ظهر الأرض الطويل العريض، قوة تشكل ما يقع في نطاقها وفق فطرتها هى .. لقد أصبح كالنحلة، تتعرض للأزهار والأثمار فتحيلها شهدا شافيا، لأن هذه طبيعتها التى لا تحسن غيرها ... ! وفى الحديث:"مثل المؤمن مثل النحلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وقعت على شئ لم تخدشه ولم تكسره". لو أن أحد رجال المال اختير عضوا في مجلس إدارة لإحدى الشركات، فانكب على عمله هذا يؤديه بقوة، ويحاول ترقيته وتنميته، ويحلم في منامه بطرق استثماره، ويكرس صحوه لحراسته. وهو في هذا كله يرمى إلى دعم الاقتصاد الإسلامى، ومطاردة الغزو الأجنبى، ورفع مستوى الأمة التى وقف على ثغرة خطيرة فيها ... فليس يشك أحد من علماء الإسلام في أن هذا الرجل مجاهد في سبيل الله!. وأن تفانيه في هذا المجال ـ بعد استكمال الفرائض المكتوبة ـ يجعله من أولياء الله الصالحين، الذين عناهم هذا الحديث الشريف. 130