الصفحة 128 من 172

وذاك لأن استعداد الناس للتجويد والتوسع غير متاح لهم في كل ميدان. إنه راجع إلى مواهبهم الأولى، وما انفتح لهم من أبواب الخير، أو ما تمهد لهم من أسباب النشاط والتمكين .. المدرس قد يكون مجال تفوقه في شرح العلوم، وتنشئة الأولاد على أحسن غرار. والطبيب قد يكون ميدان حماسه علاج المرضى، وتتبع آلامهم بالمحو أو التخفيف. وأيما مسلم استكمل الفرائض، ثم كرس وقته وجهده في إحسان عمل ما من أعمال الخير التى تعز الإسلام وأهله، فقد سلك طريقا موصلا إلى محبة الله حتما. (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور)

والدرجة العليا في هذا السلم أن يستغرق المرء في تلك الأعمال استغراقا يملك مشاعره وأعضاءه. فهو بحرارة الإخلاص وصدق التوجه مشغول بها، وبمن يؤديها له، عن كل شئ آخر. هنا يحبه الله، فإذا أحبه أعانه على ذكره وشكره، وسخر حواسه وجوارحه في هذه الأعمال الخالصة له ..."فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها". أى كانت حياته كلها، وأفكاره ومشاعره وقفا على ... ألا ترى الشاعر الغزل يقول: لا أرى الدنيا على نور الضحى بل أرى الدنيا على نور العيون إن عشقه للنساء من سمر وشقر، وحور ودعج، جعله لا يحس جمال الدنيا في ضوء الشمس، وإنما يحس جمالها فيما يتاح له من حب للنساء، وصلة بهن .. والواقع أن الذى يستغرق في عمل ما، أو تستحوذ عليه فكرة ما يحتبس في 129

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت