فإذا أديت كلها على وجهها المشروع، استقينا من معانى الخير والحق التى نهضت عليها هذه الحياة. فالصلاة كفيلة بتزكية النفس وتنقية معدنها من الشوائب، أو هذا شأنها كما أن وظيفة الطعام تغذية الجسم ... فإذا أصيب الجسم بديدان تمتص الغذاء وتبطل الثمرة، فليس العيب في الطعام وأثره المقصود، إنما العيب في العلل التى أبطلت فائدته ... والزكاة كفيلة بسلامة المجتمع، وإعانة الجوانب المائلة فيه، وبث روح التعاطف بين أفراده .. والأمر بالمعروف كفيل باستحياء معنى الحق واستدامة هيبته، وإشراب الأمة احترامه والعمل به. والحكم بما أنزل الله كفيل بحسم الشر، واستئصال مادته، وإشاعة الأمان والثقة حول الدماء والأموال والأعراض. والمشى في مناكب الأرض، ابتغاء رزق الله من شتى موارده، كفيل بتوفير الغنى للفرد والرفعة للمجموع، والعمران للدنيا .. وهكذا. والفرائض التى سقنا أمثلة لها هى الأنصبة الدنيا لمطالب الإسلام في كل قطاع حيوى. فإن من فرط في فريضة انثلم إيمانه، وانهد ركن خطير فيه، وتعرض سائره للضياع ... ولا يقبل الله من مسلم إلا أن يؤدى الفرائض كلها تأدية تامة. فلو أدى بعضها ورفض البعض الآخر لم يقبل منه الذى فعل، وحق عليه قوله عز وجل: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) . ويظهر من ذلك الوعيد أن الفرائض التى أديت هى صورة عبادة فقط. لعل باعث أدائها التعود أو الوراثة، وليس اليقين القوى. ولو كان اليقين الصحيح باعث أدائها لما تخلف أثره في بقيتها، وإلا فلماذا تركت؟ 127