-فقد رواه (أبو نعيم) في دلائل النبوة، وابن أبى حاتم في تفسيره، وتمام في فوائده، كل هؤلاء من طرق عن سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف فيه شذوذ يزيده ضعفا وسبب الضعف هو سعيد بن بشير، ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي، وحسبك هؤلاء ، وضعفه غيرهم، قال ابن حبان في المجروحين."وكأن ردئ الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة مالا يتابع."
قلت: وهذا الحديث من طاماته وغرائبه فقد أوردة الذهبي في (الميزان) مثالًا على غرائبه .
والذي يدل على شذوذ هذا الإسناد أن غير سعيد بن بشير قد رواه عن قتادة مرسلًا، ومنهم من رواه عنه موقوفًا. فهذا اضطراب في الإسناد إلى جانب ضعف سعيد.
فإن صح المرسل كان ضعيفًا لإرساله، ولأنه مخالف للفظ أصح منه، وهو الحديث الذي رواه أحمد في (السنة) والطبراني في المعجم الكبير عن ميسرة الفجر - ? - قال:"كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
وذكره الحافظ بن حجر في (الإصابة) في ترجمة ميسرة الفجر، قال"وهذا سند قوى، ثم ذكر إسناد الإمام أحمد وقال:"وسنده صحيح"."
قلت وهذا اللفظ هو الذي رواه الأئمة، وصححه من صححه منهم مثل ابن حبان والحاكم، ورواه الترمذي عن أبى هريرة إنه قال للنبي ?"متي كتبت نبيًا؟"قال"كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
واللفظ هنا يدل على أن النبي صلوات الله عليه كتبت نبوته قبل خلق آدم، لا أنه خلق قبل آدم، وهو من شريف قضاء الله الذي قضاه في الأزل. فوقع سوء الفهم من الناس، ثم حملوا قتادة رحمة الله - احتملها. ومن ثمة قال الشيخ الألباني بعد تضعيفة للحديث الأول، وذكره لهذا اللفظ.
وسنده صحيح لكن لا دلالة فيه على إن النبي ? أول خلق الله تعالى - خلاقًا لما يظن البعض - وهذا ظاهر بأدنى تأمل"."
هذا ولا بد من إشارة إلى وهم وقع بعض جامعي الحديث، أوقعهم فيه عدم الدربة الكافية في نقد الأسانيد أو التعجل في الحكم أو التقليد، فقد قال السخاوي في (المقاصد الحسنة) ، وتابعه العجلوني في (كشف الخفا) عن الحديث الأول:
"وله شاهد من حديث الفجر".
وقال الشوكاني - بعد أن ذكره في (الفوائد المجموعة) :
"وله شاهد صححه الحاكم بلفظ: كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
وهذا من الوهم، لأنه هذا اللفظ لا يصلح شاهدًا للفظ الأول، فالأول يزعم إن رسول الله ? قضى نبوته قبل خلق آدم وشتان بين المعنيين فليس تشابه الحروف المتراصة دليلا على تشابه المعاني. ومن هنا أرى إن تضعف لفظ هذا الحديث - الذي نحن بصدده - فيه قدر من التسامح وقد حكم جماعة من العلماء بأنه موضوع منهم (الصنعاني) ، و (ابن تيميه) وتابعهما الشيخ التليدي في مقدمته لكتابة (تهذيب الخصائص الكبرى) .
وعمومًا فمنزله النبي ? ومكانته عند ربه - سبحانه - أعلى من إن تحتاج إلى الأحاديث الواهية لإثباتها أو تأكيدها، وقد صحت الأحاديث الصريحة بأنه سيد ولد آدم يوم القيامة، وإن أول من يفتح باب الجنة، وأنه أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة، وإنه أوتى من الفضل في الدنيا ما لم يؤته نبي قبله، وإنه صاحب الشريعة الحاكمة المهيمنة على الشرائع السابقة، والمبطلة للتشريعات اللاحقة إلى مالا يحصى من الفضائل الصحيحة. والمناقب الواضحة الصريحة، التي لا مزيد بعدها بأحاديث ساقطة، فيها غلو في قدر بما لا يحاج قدرة إليه / وهو - ? - القائل"لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم "
والإطراء: الزيادة في المدح، والغلوفي الوصف.
الحمامة والعنكبوت:
ومن القصص التي تسللت إلى العقل الجمعي للأمة، وساهم الخيال الشعبي في رواجها بصورة لم يسلم منها بعض المتخصصين ما رواه أصحاب الأخبار من إنه لما هاجر النبي ? واختبأ في الغار بعث الله العنكبوت فضربت نسجها نحو باب الغار. وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا بجوار نسج العنكبوت، فلما كان الكفار ينظرون إلى الغار بحثًا عنه ?، كان يردهم عن ذلك ما يرون من الحمامة والعنكبوت .
وقد اتخذت هذه الحادثة ألوانا متعددة من القص، ودخلت في إطار الإنشاد الشعبي، وطالت مكوناته وقصرت حسب حاجة الراوي إلى ذلك، وسنختار الوجوه المسندة لهذه القصة لنعلق عليها بملاحظات النقاد:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)