لما مات الرسول- عليه الصلاة والسلام- ضاقت الدنيا بأهل المدينة الذين بلغتهم أخبار ردة العرب قالت المصادر عن طريق عدد من الأسانيد ولم يفرح أهل المدينة كفرحهم بمقدم الزبرقان بصدقة قومه فقبض أبو بكر الصدقة وضم الزبرقان إلى خالد السائر لحرب طليحة، وكان مسير الزبرقان بصدقة قومه إلى المدينة من اليمامة، وله في ذلك شعر ذكر فيه حفر بني سعد (حفر العتك) ومنه قوله (3) :
من مبلغ قيسًا وخندف أنني
وفيت إذا ما فارس الحرب أحجما
وله أيضًا يذكر وفاءه وثبات قومه:
وفيت بأذواد الرسول وقد أبت
سعاة فلم يردد بعيرًا مجيرها
وقيس وخندف هما عماد المضرية، وكان يقال لتميم على وجه الدهر هامة مضر ولم تزل تميم تذكر تلك الواقعة دهرًا طويلًا وتذكر قول الفرزدق.
وهم لرسول الله أوفى مجيرهم
وعمّوا بفضل يوم بسر مجلل
قال ذو الرمة:
لنا الهامة الكبرى التي كل هامة
وإن عظمت منها أذل وأصغر
أما ما ورد في أن استفحال أمر الردة في اليمامة كان مرده للعصبية القبلية وقول القائل: (كذاب ربيعة خير من صادق مضر) فلا يؤخذ به وهو كقول أحد بني يربوع:
أمسلمة الكذاب قال لكم
لن تبلغوا المجد حتى تغضبوا مُضرا
تطلق العرب على الزبرقان لقب قمر نجد، وأكثر إقامته كانت في اليمامة في بنبان ووسيع (4) . وهناك في اليمامة كان يُنصب له بيت يقصده قومه، وقيل إن اسم الرياض إنما هو في الأصل صنم لسعد هو رُضا ويكتب بضم الرّاء، ولذا وجد في أولئك القوم من اسمه عبد رضا ومنهم عرّاف اليمامة.
قال الحافظ ابن حجر، وكان في تميم في الجاهلية وصدر الإسلام جماعة من الأشراف والرؤساء، وأشار الشيخ عبد اللطيف بن حسن آل الشيخ إلى ثباتهم في الرّدة. نقلًا عن المصادر القديمة فقال: إنّ شيخنا من رؤوس تميم وأعيانها وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته، وقد أبلوا في حروب الرّدة بلاء حسنًا يقصد بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة في نجد (5) .
مضى آل الشيخ بعد أن ذكر بلاءهم في قمع الردّة إلى الحديث عن الاقطاعات التي حصلوا عليها أيام الصديق من أودية نجد لقاء وفائهم وثباتهم في إخماد ردة اليمامة. عرفت اليمامة التي ظهرت فيها حركة من أعنف حركات الردة عددًا من وقائع العرب قُتل فيها بسطام وابن الجزور ومسلمة بن قتادة وعلي الحنفي وأسر هوذه والهذيل الأكبر أسره صياد الفوارس، وفي اليمامة ظهرت بطولة صياد الفوارس لأول مرة وفي وقعة مَلْهم تحديدًا ووقعة ملهم حلقة في سلسلة وقعات أبرزها تعشار وشقيقة الحسن والمرّوت والسلي وآراب.
قضى الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد على الردة في اليمامة، وكان قد سبقه إليها جيش بقيادة شرحبيل بن حسنة التميمي (6) ولم يبرح خالد أرضها حتى توّلى عليها رجل من أهلها من الذين أسهموا في إخماد حركة الردة (7) وكان والي اليمامة هو سمرة بن عمرو التميمي وهو أول حاكم في نجد بعد الإسلام.
من أرض اليمامة أراد خالد التحرك إلى العراق فكان أن قدّم بين يديه الزبرقان بن بدر وسار الزبرقان أمام الجيش فيما بين نجد إلى السواد وفي ذلك قيل:
من مبلغ قيسًا وخندف أننا
عزم الإله لنا ودين محمد
قاد الجياد من اليمامة قاصدًا
سلس قلائدها تروح وتغتدي
حتى رأى أهل اليمامة فعله
يوم الهياج أشمَّ غير معرد
تمَّ إخماد فتنة مسيلمة في نجد قال محمد كمال:
(كان بنو تميم يفخرون بالأحنف وبآبائه لما كانوا عليه من رجاحة العقل وسداد الرأي وحرص على وحدة القبيلة .. ولما ارتدّت بعض القبائل عن الإسلام لم يرتدِّ حتى إنه جاء هو وعمّه المتشمِّس بن معاوية إلى مسيلمة الكذاب ليسمعا منه فلما خرجا قال الأحنف:
كيف تراه يا عماه؟ فقال المتشمس: أراه كاذبًا.
وهكذا انطلق الأحنف متمسكًا بإسلامه ساخرًا من مسيلمة الكذّاب فكان ثباته على عقيدته في محنة الرَّدة ذا تأثير حاسم أمام تيار الردّة الجارف ممَّا سهل على المسلمين القضاء على المرتدين وإعادة شبه الجزيرة العربية إلى ما كانت عليه أيام الرسول الكريم- صلى الله عليه سلم- من وحدة وتماسك (8) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)