مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب - عليه السلام -، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزّون بالصبر والسلوان. إذن (تفتأ) جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يزال) كثيرًا في آيات عديدة (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم) .
واستخدام كلمة (حرضًا) في الآية تدل على الذي يمرض مرضًا شديدًا ويهلك.
ومن الغريب أن القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ (لا) في جواب القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم فهذه هي الآية الوحيدة التي وقعت في جواب القسم منفية ولم يذكر معها اللام ففي عموم القرآن عندما يكون القسم منفيًا يأتي باللام (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) إذن من الناحية النحوية هناك خياران: إما ذكر اللام أو حذفها. فمن الناحية النحوية إذا كان جواب القسم فعل مضارع لا بد أن يكون باللام مع النون مثل (تالله لأكيدنّ أصنامكم) وإما مع اللام إذا اقتضى حذف النون. لا بد في جواب القسم المثبت أن تذكر اللام سواء مع النون أو بدونها. وعندما لا تذكر اللام فهذا يدل على النفي ولا يكون مثبتًا إلا بذكر اللام مع الفعل المضارع. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعًا كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعًا. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون) لم تحذف الـ (لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ (لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكدًا ولم يحصل أصلًا فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكدًا عند إخوة يوسف. وهذا ما يُعرف بالتوسّع في المعنى في القرآن الكريم.
ما اللمسة البيانية في تقديم الأكل على الشرب في سورة مريم (فكلي واشربي وقرّي عينا) ؟
نلاحظ الآية قبلها في سورة مريم (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا {24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا {25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا {26} ) . فقد وردت كلمة السري وهي تعني (السيّد) وجمعها سُراة أي السادة (ولا سُراة إذا جُهّالهم سادوا) ، وهي بمعنى أن الله تعالى قد جعلك تحتك سيّدا. أما التقديم والتأخير في الأكل والشرب فنلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدّم تعالى الأكل على الشرب حتى في الجنّة (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وقوله (كلوا واشربوا من رزق الله) وكذلك في آية سورة مريم (فكلي واشربي وقرّي عينا) والسبب في ذلك أن الحصول على الأكل أصعب من الحصول على الشرب.
ما اللمسة البيانية في حذف (لا) (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ) وذكرها (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ) في سورة التوبة؟
لو نظرنا في الآيتين في سورة التوبة هناك تشابه واختلاف ففي الأولى ذكرت (لا) وزادت اللام في (ليعذّبهم) وذكر كلمة الحياة الدنيا في الآية الأولى وذكر الدنيا في الثانية (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ {55} ) و (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ {85} ) ونستعرض بالتفصيل الفرق بين الآيتين:
.بدأ الآية الأولى بالفاء والثانية بالواو. لأن الآية الثانية معطوفة على ما قبلها فسياق الآيات السابقة يقتضي العطف أما الآية الأولى فالفاء للإستئناف وليس هناك عطف (قد تأتي الفاء للإستئناف أو التفريع) .
2. (تعجبك أموالهم ولا أولادهم) في سياق الإنفاق أي إنفاق الأموال. (قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا) (وما منعهم أن تُقبل لهم) (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) (فلا تعجبك أموالهم) (إنما الصدقات) فالكلام كله إذن في الإنفاق في الآيات التي قبلها وبعدها. أما الآية الثانية فسياق الآيات قبلها وبعدها في الجهاد وليس الإنفاق. فلمّا كان السياق في الأموال أضاف (لا) وفصل الأولاد والأموال للتوكيد.
3.. (ليعذّبهم) زيادة اللام في الآية الأولى وهي زيادة التوكيد لأن السياق في الأموال والإنفاق وكما أكّد بـ (لا) أكدّ باللام بمعنى (إنما يريد الله أن يعذبهم) . فزيادة اللام قياسية للتوكيد (تؤكد معنى الإرادة) واللام تزاد قياسًا وتُزاد سمعًا في المفعول به كما في قوله (والذين هم لربهم يرغبون) واللام زائدة في فعل الإرادة أن (أراد) فعل يتعدّى بنفسه فيؤتى باللام الزائدة للتوكيد، أو اللام للتعليل وهي على أي قول فهي للتوكيد (علّل الإرادة في الآية الأولى أو أكدّ الإرادة في الآية الأولى) . فلمّا كانوا متعلقين بالمال تعلّقًا شديدًا أكّد باللام (ليعذبهم فيها) فكان التعذيب أشدّ.
ذكر (الحياة الدنيا) في الآية الأولى و (الدنيا) في الآية الثانية: الآية الأولى في سياق الأموال والأموال عند الناس هي مبعث الرفاهية والحياة والسعادة والمال هو عصب الحياة، أما الآية الثانية فهي في الجهاد مظنّة مفارقة الحياة في القتال فاقتضى السياق ذكر (الحياة) في الآية الأولى وحذفها في الآية الثانية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)