وأجاب الجمهور: من قال بأن الاستدلال على الشيء بآثاره وثمراته ممتنع وغير جائز؟ بل نحن استدللنا على وجود الله تعالى بعظيم خلقه وعدم إله ثان بعدم وقوع الفساد في الكون ونستدل على تحريم أي مشروب إن كان أثر شربه يؤدي إلى الإسكار بغض النظر عن مسماه , وعليه: فإن الاستدلال على الشيء بأثره وثمرته جائز غير ممتنع لا في الإثبات ولا في النفي , ولأنه قد استقر أن كلام الله تبارك وتعالى لا يخلو من فوائد وحكم: علمنا أن فائدة تخصيص الله للحكم اختصاصه به ضرورة!
الاعتراض الثاني: (على الدليل الثاني للجمهور)
أنكم قلتم لا فائدة من تخصيص الحكم بالذكر , إلا أن الحكم مختص بها! ومن قال أنه لا توجد فائدة إلا اختصاص الحكم بالذكر؟ إن قلتم ما علمنا فائدة أخرى: فيقال لكم عدم العلم بالفوائد الأخرى ليس علما بالعدم وليس دليلا على العدم!! فصار دليلكم - أيها الجمهور - مبني على الجهل بفائدة أخرى.
فأجاب الجمهور: بأن تخصيص الشيء بالذكر قصر للحكم عليه ونفي عما عداه وهذا يقين. وأما غير ذلك فمتوهم: فلا يترك اليقين للشك وعلى الأقل يبقى هذا الاختصاص أصلا في الفوائد.
الاعتراض الثالث: (لازلنا في اعتراضاتهم على الدليل الثاني للجمهور فتنبه)
قالوا سلمنا لكم جدلا: بأن الفائدة من تخصيص الشيء بالذكر نفي للحكم عما عداه , فلماذا لا تقصرون الربا على الأصناف السته وتقصرون حديث زكاة الغنم عليها لا أن تخالفوا ما ذهبتم إليه وتعدون الحكم في الربا إلى غير الأصناف الستة المذكورة في الحديث وتخالفون في الغنم فتعدون الزكاة إلى غيرها من البهم السوائم أليس هذا تفريق بين المتماثلات؟ فما قلتم - أيها الجمهور - يبطل بمفهوم اللقب!
فأجاب الجمهور:
-أما مفهوم اللقب فقيل أنه حجة (بصيغة تمريض يعني أنه ليس محل اتفاق حتى تحتجوا به علينا!!)
_ ثم إن بينهما فرق (أي بين التخصيص بالصفة - أي المكيلات والموزونات - والتخصيص باللقب - أي الاسم: كالغنم -) والفرق كالتالي:
فالتخصيص باللقب: كالغنم مثلا فإن هذا النوع من التخصيص لا يدل على نفي الحكم عما سواه وهذا رأي جماعة ,
إذ لعله لم يحضره اسم النوع الآخر المسكوت عنه -الإبل مثلا- أو كان السؤال عن الغنم فأجاب بنحو منه وهكذا.
أما التخصيص بالصفة فهذا الاحتمال بعيد: أن يذكر أحد الوصفين المتضادين للشيء الواحد كأن يذكر الطول ولا يتذكر ضده القصر فلذلك البعد: ظهر كان المفهوم أقوى منه هنا عنه في ذكر الاسم فقط.
الاعتراض الرابع: قال الحنفية لعل هناك فوائد أخرى غير ما ذكرتم , ثم لعل السؤال وقع عنها أو أمر آخر لم نطلع عليه ....
فأجاب من وجهين: هذه احتمالات وأوهام لا يترك لها اليقين فنبقى عليه,
وهب أن تلك الفوائد وجدت: فإنها لا تنافي الفائدة المتيقنة كما مر معنا.
س:/بم أجاب الجمهور - ومنهم ابن قدامة - على دليل الحنفية الخامس وما ذكروه من فوائد؟
أما ما ذكروه من فوائد في دليلهم الخامس:
فالجواب على الفائدة الأولى: أن الاجتهاد ثبت بالضرورة والحاجة إليه لعدم أمكان بناء كل الأحكام على النصوص , ولا نظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يترك البيان لما احتاجه الخلق لتوسعة طرائق الاجتهاد كما زعمتم وهذا من وجه , ومن وجه آخر أن ما ذكرتموه يفضي إلى نفي الحكم عن الصورة التي هو ثابت فيها وهذا ممنوع.
أما الجواب عن الفائدة الثانية والثالثة التي ذكرتموها فلا تحصل (يوجد كلام آخر يرجع إليه في الكتاب)
القول الثاني: أنه ليس بحجة ولا دلالة فيه , وهو قول أبي حنيفة واحتج بأمور:
• أنه يحسن الاستفهام فيه ولو دل على النفي لما حسن الاستفهام كالمنطوق , مثال: من ضربك متعمدا فاضربه. يحسن أن تسأل ومن ضربني خاطئا هل أضربه؟
• أن المسكوت عنه أحيانا يكون موافقا للمنطوق , وأحيانا يخالفه , وإذا كان ذلك كذلك فالترجيح بلا مرجح تحكم لا يجوز , مثاله قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم ... ) فالمسكوت عنه الربيبة التي ليست في الحجر فهل تقولون إنها حلال لزوج أمها؟ لن تقولوا كذلك فهي محرمة اتفاقا وعليه فالمسكوت عنه محتمل للمساواة وعدمها فلا يرجح بالتشهي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)