• لما أمرهم عليه السلام أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم لم يفعلوا , سألوه عن ترك الفسخ فبين لهم عذره. ففهم الصحابة حجة.
• وقد عاب الله على الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
• وقال في حق شعيب: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه.
فصل
العام يجب اعتقاد عمومه في الحالالقول الأول: اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال (وهو قول أبي بكر والقاضي وبعض الحنفية) .
س/ ما أدلة أصحاب القول الأول؟ قالوا:
• إن اللفظ موضوع للعموم , فوجب اعتقاد موضوعه حال السماع. كأسماء الحقائق: فلفظ سبع مثلا تدل على الحيوان المفترس وهكذا.
• بالقياس على:
1.الأمر: فإنك إذا سمعت نصا صيغته صيغة الأمر فإنك أول ما ينقدح في ذهنك أنه للوجوب فتعمل على ذلك حتى يأتي صارف للإباحة أو الاستحباب.
2.النهي: فإنك إذا سمعت نصا صيغته الخ (كما تقدم في الأمر) .
3.النسخ: فإن النصوص تأتي بصيغ العموم في الأزمان والأعيان , فما ثبت عاما في الزمن فيجب اعتقاد عمومه والعمل على هذا الاعتقاد قبل البحث في الناسخ , فكذلك العموم في الأعيان يعتقده ويعمل عليه ومن فرق بين الأعيان والأزمان فهذا تحكم بلا دليل.
القول الثاني: لا يعتقد عمومه حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه (وهو رواية عن أحمد وهو مذهب أكثر العلماء)
القول الثالث (وفيه تفصيل) : إن كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيجب اعتقاد عمومه في الحال , وإن كان العموم من كلام الصحابي المبني على فهمه من النبي صلى الله عليه وسلم - نحو نهى , أمر رسول الله - فلا يجب اعتقاد العموم حتى يبحث عن المخصص.
س/ ما دليل أصحاب القول الثاني؟
• إن وجوب العمل بالعام عدم المخصص , وشرط العلم بالعدم الطلب , فلا يجوز العمل بالعام إلا بعد التأكد من عدم المخصص كفاقد الماء لا يجوز له التيمم حتى يتأكد من عدم وجود الماء.
• أن العمل بالدليل مشروط بعدم المعارضة , والعام والخاص متعارضان , فلا بد من معرفة عدم المخصص (المعارض) حتى يعمل بالعام.
تفريع لأصحاب المذهب الثاني:
واختلفوا! إلى متى يجب البحث عن المخصص حتى نعمل بالعام.
فمذهب يقول: يكفي غلبة الظن بعد الاستقصاء في البحث.
واحتجوا بدليل من العقل:مثل الباحث عن المتاع في البيت إذا لم يجده غلب على ظنه انتفاؤه.
ومذهب آخر: بل لابد من اعتقاد جازم بأنه ليس ثمة مخصص.
احتجوا بأنه لو لم يكن جازما فمعناه أنه يشك بوجود المخصص , فكيف يجوز أن يحكم بدليل قد يكون الحكم به حراما؟؟
س/ بم رد ابن قدامة رحمه الله على استدلالات أصحاب المذهب الثاني؟؟
• بأن التوقف يفضي إلى ترك العمل بالدليل , أو تأخيره على الأقل , وفي هذا اسقاط جزئي للعمل وهذا باطل قطعا.
• وبأن هذا يفقد الدليل العام ثمرته , ويصبح كلام الشارع كاللغو نتوقف في كل نص حتى نبحث في بقية النصوص - وهي غير منحصرة - عن المخصصات.
• ثم احتمال الوجود - يعني للمخصص - لا يمنع من اعتقاد الحقيقة , فلا نترك الحقيقة الثابتة للمخصص المظنون.
• ولا نسلم أن دلالة العموم مشروطة بعدم المخصص:
أولا: لأن هذا شرط غير موجود في كلام الشارع.
وثانيا: لأن غاية القرينة أنها مانعة من حمل اللفظ على موضوعه - كالنسخ - لا أنها مسقطة لدلالة النص ابتداء وبالتالي فائدته فهذا غير جائز.
فصل
في الأدلة التي يخصص بها العموم:لا نعلم مخالفا في جواز تخصيص العموم.
• وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قول الله تعالى: (الله خالق كل شيء)
وقوله (تدمر كل شيء بأمر ربها) ..
• ثم إن أكثر العمومات مخصصة.
س/ ما أدلة التخصيص؟؟
أدلة التخصيص إجمالا تسعة:
1.الحس.
2.العقل
3.الإجماع
4.النص الخاص يخصص اللفظ العام.
5.المفهوم بالفحوى ودليل الخطاب.
6.فعله صلى الله عليه وسلم.
7.إقراره عليه السلام للواحد من أمته.
8.قول الصحابي (عند من يراه حجة)
9.قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر.
أولا: الحس
ومعلوم بالحس أن قوله تعالى: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) أنه مخصوص , إذ خرج منه ذلك العموم السماء والأرض والملائكة و ... و ... كل ذلك بالحس.
ثانيا: العقل
ومثاله: قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فلقد خصص العقل الناس وأخرج من لا يفهم الخطاب كالمجنون مثلا.
اعتراض! من وجهين: (ويمكن أن يكون قولا ثانيا)
الأول: بعضهم قال العقل سابق على أدلة السمع , والمخصص يجب أن يكون متأخرا إذ أن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ ,فكيف يكون تخصيص لما لم يوجد بعد؟
أي كيف يكون (المخصص) العقل سابق للنقل؟
الثاني: أن نص الآية أصلا لا يمكن أن يتناول المجنون لأنه يعني أن الآية عامة في المعقول (وهو المميز الذي يتناوله الحكم قطعا) وعامة أيضا في غير المعقول (وهو المجنون) والشارع منزه أن يخاطبنا بما ليس بمعقول!!
الجواب من وجهين أيضا:
الأول:أن التقدم تقدمان: الأول تقدم في الذات (فالعقل سابق على النقل ونسلم لكم)
والثاني تقدم في الأثر (من التأثير في غيره) :فهذا مقصودنا , ولا نسلم لكم أن تأثير العقل - بالتخصيص للنص - كان سابقا بل هو لاحق لنزول النص , إذ لم يخصص إلا موجودا وهو نص الآية.
الثاني: لا نسلم لكم أن الخطاب - المقصود أي خطاب - لا يتناول غير المعقول لكن يكذب صاحبه , أما الله جل وعلا فلقد استقر في العقول والفطر أنه منزه عن أن يخاطبنا بما ليس بمعقول فعرفنا بالعقل أن إرادة الرب لا تريده.
فسقطت دعواكم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)