وأما جموع القلة: (ما كان على الأوزان: الأفعال- الأفعل - الأفعلة - الفعلة) فالتعريف إنما استفدناه من الألف واللام ولذلك صح توكيده بما يقتضي العموم , وجاز الاستثناء منه , نحو قوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا) والاستثناء إنما هو إخراج ما لولاه لدخل تحت الخطاب.
ولو قال: ما عندي رجل , بل رجلان. قلنا:
• قوله بل رجلان قرينة لفظية تدل على أنه استخدم لفظ العموم
في غير موضعه , ولا يمنع من حمل اللفظ على موضوعه الأصلي
عند عدم القرينة مثل لفظ الأسد: لا يستعمل بالمجاز إلا بقرينة فإن
عدمت حملنا الأسد على موضوعه الأصلي.
• ثم إن"من"لتأكيد العموم لا لتأسيسه فهي ليست من شرطه -أي العموم - بحيث إذا فقدت سقطت دلالة اللفظ.
فصل في أقل الجمع:
القول الأول: أن أقل الجمع ثلاثة.
وهو قول الجمهور.
القول الثاني: أن أقله اثنان.
وهو محكي عن مالك وأصحابه وابن داود الظاهري
وبعض النحويين.
س/ ما دليل أصحاب القول الأول؟
• أثر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعثمان حجبت الأم بالاثنين من الإخوة وإنما قال الله تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) وليس الأخوان بإخوة في لسانك ولا لسان قومك فقال له عثمان: لا أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى به في الأمصار ووجه الدلالة فيه من شيئين:
الأول: احتجاج ابن عباس بكلام العرب.
الثاني: موافقة عثمان له في ذلك ولم يخطئه لكنه بين أنه عمل بالإجماع.
• تفريق أهل اللغة بين الواحد والتثنية والجمع من حيث:
الاستعمال والإعراب والضمائر والأحكام.
• ولأن الاثنين لا ينعت بهما الجماعة في لغة أحد فلا يصح أن تقول: رأيت رجالا اثنين.
س/ ما دليل أصحاب القول الثاني؟
• دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: (فإن كان له أخوة فلأمه السدس)
وقوله عز وجل: (هذان خصمان اختصوا في ربهم)
وقوله تعالى: (وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب)
فالشارع أطلق لفظ الجمع على الاثنين في الآيات السابقة.
• دليل من الأثر (وفيه ضعف) :
الاثنان فما فوق جماعة.
• دليل من اللغة:
أن الجمع مشتق من جمع الشئ إلى الشئ وضمه إليه وهذا يحصل في الاثنين.
س/ بم أجاب ابن قدامة عن أدلة أصحاب القول الثاني؟
قال رحمه الله:
• غاية ما احتجوا به أنه جاز التعبير بأحد اللفظين عن الآخر مجازا كما عبر عن الواحد بلفظ الجمع مجازا في نحو:
(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)
(إنا نحن نزلنا الذكر) .
• أما لفظ الطائفة والخصم يقع على الواحد والجمع والقليل والكثير فرد الضمير إلى الجماعة الذين اشتمل عليهم لفظ الطائفة والخصم.
• أما الأثر فعلى فرض صحته: فالمراد حكم الصلاة وانعقاد الجماعة لأن كلامه عليه السلام محمول على الأحكام لا على بيان الحقائق.
• وأما اللغة: فالأسماء لا يلزم فيها حكم الاشتقاق, وهذا مر معنا في مسألة: إثبات اللغة بالقياس. ومثاله:
العرب تسمي: قارورة لأن الماء يقر فيها ولا يسمون كل ما يقر فيه الشئ قارورة أبدا , فلا يطلقون قارورة على الحوض البتة وأن كان معنى الاشتقاق موجودا.
ـ [أشرف الغمري] ــــــــ [22 - 03 - 07, 09:26 م] ـ
القسم الثالث:
أقول وبالله التوفيق:
فصل:
في حكم العام الوارد على سبب خاص
س/إذا ورد العموم على سبب خاص فهل يسقط ذلك العموم؟
قولان لأهل العلم:
الأول: وهو قول الجمهور أنه لا يسقط عمومه.
الثاني: وهو قول نسب لمالك وبعض الشافعية أنه يسقط عمومه.
س/ ما أدلة كل فريق؟
أدلة أصحاب القول الأول:
• أن الحجة في لفظ الشارع لا في السبب فيجب الاعتبار بنفس اللفظ في التخصيص والتعميم.
• ثم لو كان السؤال خاصا والجواب عاما لم يجز تخصيصه بغض النظر عن السبب والعكس صحيح. ومثاله: لو قالت امرأة لزوجها: طلقنني! فقال:كل نسائي طوالق , طلقن كلهن لعموم اللفظ وإن خص السؤال.
• ولو كان الحكم الوارد بلفظ عام على سبب خاص مختصا به لما جاز العدول بالجواب عن مضمون السؤال والواقع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب أحيانا بما ينبه به على محل السؤال ,مثلما قال لعمر رضي الله عنه لما سأله عن القبلة للصائم فقال أرأيت لو تمضمضت؟. فدل هذا على أن السبب غير مسقط لعموم اللفظ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)