فقد طالعت كتابكم فألفيتكم لا تنقلون إلا من الحنابلة في أغلب الأحيان، وهذا آخذكم عليه كثير من المشايخ والأساتذة عندنا - ولو أنه التزام منكم لشرطكم في العنوان - فهذا قد جعل بعض طلبة العلم لا ينظرون في كتب الأصوليين من الأشاعرة - وهم أغلب من كتب في الفن - بدعوى أنهم مبتدعة والعياذ بالله - ويمكن أن يقاس عليه صنعة الحديث رواية ودراية لأن سواد من صنف فيه هم الأشاعرة -.
ثم هل كل المباحث الأصولية يُخاف فيها على طالب العلم المبتدئ حتى تنزهون كتابكم مما ألفه الأشاعرة؟
ثم ألا ترون فضيلتكم في إخراجكم لهؤلاء القوم - ولست أشعريا - من زمرة أهل السنة والجماعة نوعا من التجوز الذي رآه الكثيرون تجنيا؟
وحبذا لو أحلتمونا على سلفكم في إخراج الأشاعرة من (أهل السنة والجماعة) من الأئمة الأولين.
أدام الله عليكم موفور الصحة والعافية وتمام التوفيق.
الجواب: هناك تنبيهات مهمة حول تقسيم وتصنيف المؤلفات الأصولية، إلى ثلاث طرق:
طريقة المتكلمين (وهي الطريقة النظرية) ، وهي التي سلكها في الغالب الشافعية، وتبعهم فيها المالكية والحنابلة.
وطريقة الفقهاء (وهي الطريقة التطبيقية) ، وهي التي سلكها الحنفية في الغالب.
وهناك ما يسمى بطريقة المتأخرين أو الجمع بين الطريقتين.
وحول هذا التقسيم التنبيهات الآتية:
1.أن أول من ذكر هذا التقسيم هو ابن خلدون في مقدمته.
2.أن هذا التقسيم إنما على سبيل الإجمال وبحسب الغالب.
3.أن الطريقة الثالثة، وهي طريقة المتأخرين راجعة ـ عند التمحيص والتأمل ـ ولابد إلى إحدى الطريقتين الأوليين.
4.أنه قد وجدت بعض المؤلفات الأصولية خرجت عن هذه الطرق الثلاث ولا يمكن نسبتها إلى شيء منها، وهذا قليل جدا، وهو أيضا نسبي، وذلك مثل كتاب الموافقات للشاطبي؛ فإنه يصعب نسبته إلى طريقة المتكلمين، إلا أنه يمكن نسبة هذا الكتاب إلى طريقة المتكلمين، نظرا لكون الشاطبي اعتمد كثيرا في كتابه على كتب المتكلمين الأصولية؛ مثل كتب القرافي، والغزالي والرازي، فهو بهذا النظر يدور في فلكهم، ثم إنه مالكي وقد استفاد أيضا من كتب المالكية، والمالكية عموما ينسبون إلى طريقة المتكلمين.
5.أن هذا التقسيم إنما هو بالنظر إلى منهج الكتابة وطريقة التأليف، ولا يمثل اتجاها عقديا أو مذهبا فقهيا معينا، اللهم إلا أن الغالب على الشافعية ومن معهم سلوك طريقة المتكلمين، وأن معظمهم من المعتزلة والأشاعرة، وأن الغالب على الحنفية سلوك طريقة الفقهاء، وأن معظمهم من الماتريدية.
6.أن هنالك تقسيمات أخرى باعتبارات أخرى لم يلتفت إليها في هذا التقسيم، كاعتبار العقيدة والمذهب الفقهي والاختصار والإسهاب.
أثر المتكلمين في أصول الفقه:
قد يقول قائل: إن علم أصول الفقه ـ في معظم مسائله ـ من قبيل علوم الآلة، وهي لا تختلف في بيانها وتقريرها باختلاف العقائد والمذاهب، كما هو الحال في علوم الآلة؛ كقواعد علم النحو والصرف والبلاغة.
لكن هذا القول يعكر عليه ذلكم الواقع المشهود؛ فإن كثيرا من المؤلفين بثوا طرفا من عقائدهم ضمن مؤلفاتهم، وأدخلوا طائفة من معتقداتهم في ثنايا كلامهم، حيث إن للعقيدة تأثيرا ظاهرا لا يجحد خاصة في مؤلفات الأصوليين، بل قد كان الباعث لدى بعض الأصوليين من تأليفه في أصول الفقه إنما هو نصرة عقيدته والدعوة إليها وتكثير سوادها، وتأسيس القواعد الناصرة لها، وإبطال قواعد المخالفين لها، وكل مؤلف لابد أن ينطلق من عقيدته في مؤلفاته ويبني عليها ويتأثر بها ويدعو إليها.
ويتضح ذلك التأثير من خلال الوجوه التالية:
1.تأسيس طائفة من القواعد الأصولية على أصول عقدية؛ كالتحسين والتقبيح عند المعتزلة، ونفي العلة والحكمة عند الأشاعرة، وعصمة الأئمة عند الشيعة.
2.تركيب الأدلة، سواء في ذلك النقلية منها أم العقلية.
3.منهج الاعتراض والإبطال لأدلة الآخرين.
4.إنشاء مسائل وبحثها ضمن علم أصول الفقه، وإنما الباعث على ذلك ترسيخ المذهب العقدي وتجليته.
5.إيراد الأمثلة، كالتمثيل للتأويل والمجاز بنفي الصفات وتعطيلها، وهذا أهون الوجوه على الرغم من خطورته.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)