فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52958 من 82138

و لهذا قال هو هنا:"هو بذل الوُسع في بلوغ الغرض"و هذا في اللغة مطلقا، اجتهد: بمعنى أنه بذل الوسع في بلوغ غرضه.

قال:"فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، و إن اجتهد فيها و أخطأ فله أجر واحد".

-"فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد"أي: إن كان -فعلا- مجتهدا، تتحقق فيه شروط الاجتهاد.

-"فإن اجتهد في الفروع"في استخراج أحكامها، و"لا اجتهاد في محل النص"، فالاجتهاد إنما يكون في الأمر الذي خفي حكمه.

-"فأصاب"الحكمَ في علم الله.

-"فله أجران"حينئذ.

-"و إن اجتهد فيها و أخطأ"الحكمَ في علم الله.

-"فله أجر واحد"لاجتهاده، و ليس عليه إثم في خطإه، لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، و إذا اجتهد و أخطأ فله أجر".

قال:"و منهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب"، هذه مسألةُ التخطئةِ و التصوِبَةِ، التي تسمى بـ: رأي المخطئة و رأي المصوبة، و هي: أن الاجتهاد امتحان من الله تعالى للمجتهد في الوصول إلى معرفة الحكم، و هذا الحكم لله في كل مسألة، فما من مسألة إلا و لله فيها حكم، و لكنَّ ذلك الحكمَ خفيٌّ لم يرد فيه نص فامتحن الله الناسَ في الوصول إليه، فمن وصل إلى ذلك الحكم الذي هو في علم الله فهو مصيب قطعا، و من لم يصل إليه فهو مصيب فيما بينه و بين الله باجتهاده، لكن في علم الله أنه لم يصل إلى الحكم الذي علمه الله.

و على هذا، فمن الناس من يرى أن"كل مجتهد مصيب"، و منهم من يرى أن"لكل مجتهد نصيب"فقط، و أنه منهم من يصيب و منهم من يخطئ، فمن أصاب الحق في علم الله فهو المصيب، و من أخطأه فهو مخطئ، و يستدلون بهذا الحديث:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، و إذا اجتهد و أخطأ فله أجر"فدل هذا على أنه يمكن أن يصيب و يمكن أن يخطئ.

و يمكن الجمع بين القولين، بأنه ما من مجتهد إلا و هو مصيب في امتثاله لأمر الشارع له بالاجتهاد، و لكن مع ذلك قد يصيب الحق في علم الله، و قد لا يصيبه، بحسب توفيق الله له.

و محل هذا في الفروع، و الفروع: هي ما لم يحسمه دليل قطعي، فما حسمه الدليل القطعي فهو من الأصول، و لا يُقصد هنا بالفروع: الفروع الفقهية لإخراج العقائد، بل من العقائد ما لم يحسمه الدليل فيكون محلا للاجتهاد، و من المسائل العملية ما حسمه الدليل فلا يكون محلا للاجتهاد، كوجوب الصلاة و الزكاة و نحو ذلك، و حرمة الزنا و الخمر و نحو ذلك، فهذه الأمور لا اجتهاد فيها، لأنها من الأصول، حيث حسمها الدليل.

قال:"و لا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى و المجوس و الكفار و الملحدين".

هذه المسألة حصل فيها الخلاف بين المعتزلة و غيرهم، فقد قال النَّظَّامُ و تبعه على ذلك عدد من المعتزلة:"كل من احتهد في طلب الصواب فهو مصيب سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها"و على هذا، يعذرون من كان من الكفار و المنافقين و الضلال اجتهد في طلب الحق و لم يكابر، و إنما أداه عقله الذي خصه الله به إلى الوصول إلى رأي يراه عينَ الصواب و هو غير مكابر، فيعذرونه.

و هذا القول، دونه قولُ الذي ذهب إليه إمام الحرمين - هنا - و غيره من المتكلمين، من أن الأمور العقدية لا اجتهاد فيها مطلقا، و أن المخطئ فيها غيرُ معذور، و ذكروا عن عدد من الأئمة أنه كان يقول:"اسألني في علم إذا أخطأتُ فيه قلتَ أخطأتَ و لم تقل كفرتَ، ولا تسألني عن علم إذا أخطأتٌ فيه قلت كفرت".

و قد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن من كان من أهل الإيمان و الصلاح و الالتزام فاجتهد فهو معذور مطلقا، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها.

و هذا القول وسط بين القولين السابقين، و لعله أقرب للصواب، و أسعد بالدليل.

فإذا كان الإنسان معروفا بالصلاح و الالتزام و الخشية و اجتهد فأخطأ في تأويل الصفات أو في غير ذلك من الأمور، فهو معذور في ذلك الاجتهاد، و لا يضره اجتهاده بل هو مثاب عليه.

و إن كان معروفا بالفساد و الإنكار لأمور الدين و نحو ذلك: فلا يُعذر، و لا يُقبل منه الاجتهاد أصلا في ذلك.

قال:"و دليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبًا، قوله صلى الله عليه وسلم: ? من اجتهد و أصاب له أجران، و من اجتهد و أخطأ له أجر واحد?"و قد روى هذا الحديث بالمعنى.

قال:"و وجه الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهد تارة و صوبه أخرى"، لأنه قال:"فأصاب"و قال:"فأخطأ"، فدل ذلك على أنه محتمل للأمرين: للإصابة و الخطأ.

قال:"و الله سبحانه و تعالى أعلم"، و ختم بهذا كلامَه.

-و ذلك لإحالة العلم إلى الله تعالى فيما نجهله نحن.

-و من سنة أهل السنة، أن يقولوا فيما التبس عليهم:"الله أعلم".

-و الإنسان إذا تكلم في أمور الدين الظنية، فمن الأفضل أن يحكم كلامه بذلك لئلا يكون وقع في خطأ، فيحيل العلمَ إلى الله سبحانه و تعالى فيه.

-و من هنا فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول في المسألة إذا سئل عنها فاجتهد يقول:"أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن فضل الله و رحمته، و إن كان خطأ فمن نفسي و من الشيطان".

و بهذا أنهى ما ذكر في خطبته للكتاب، وإن كان كما ذكرنا لا يحتوي كل أبواب أصول الفقه، لكنه مقدمات مفيدة للمبتدئين في أصول الفقه، يُعرف بها كثير من الاصطلاحات و رؤوس المسائل التي يحتاج إليها من يدرس هذا العلم.

و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت