قال معاذ بن هشام: وحدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، بمثل هذا الحديث، وقال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها رد إليها»
قال الحافظ عبد الحق في حديث الأسود: «قد جاء هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم .... » إلى أن قال ـ رحمه الله ـ: «فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟ فالجواب عليه من وجوه:
(أحدها) أن أهل العلم لم يتفقوا عل إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم.
(الثاني) أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث.
(الثالث) أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، ولهذا رواه الأئمة احمد، وإسحاق، وعلي بن المديني.
(الرابع) أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار. ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف.
(الخامس) ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد؛ في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها، أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره، فيقول الله تعالى: «ما أغدرك» وهذا الغدر منه هو لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه.
(السادس) قوله: وليس ذلك في وسع المخلوقين. جوابه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك ليس تكليفًا بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا.
الثاني: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم، وكانت بردًا وسلامًا، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع.
(السابع) : أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النار في رأي العين إذا كانت سببًا للنجاة؟ كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سببًا كما قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن أدق من الشعرة وأحد من السيف» رواه مسلم، فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار، ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة، والله أعلم.
(الثامن) : أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجرة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقًا للحكم، بل الأدلة الصحيحة تدل على أته مقتضى الحكمة كما ذكرناه.
(التاسع) أن في أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه. فكيف يقال أنه ليس في الوسع.
فإن قيل: فالآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف. وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) [القلم: 42] فهذا صريح في أن الله يدعوا الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حسًا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) دعوا إليه في وقت حيل بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ «أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا» فذكر
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)