قال شيخ الإسلام: والمقصود أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون فاعله مستلزما له لا يجوز أن يكون فاعله ممن يتراخى عنه مفعوله؛ فإن الفاعل لا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يجب اقتران مفعوله به , وإما أن يجب تأخر مفعوله عنه , وإما أن يجوز فيه الأمران؛ فلو كان العالم قديما لم يجز أن يكون فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله لأن ذلك جمع بين النقيضين كيف يكون مفعوله قديما أزليا ويكون متأخرا عنه حادثا بعد أن لم يكن فتعين أن يكون فاعله إما أن يجب اقتران مفعوله به وإما أن يجوز فيه الأمران والثاني باطل أيضا فإنه إذا جاز أن يقترن به المفعول وجاز ألا يقترن كان وجود المفعول ممكنا والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والقول في هذا المرجح كالقول في غيره إن كان فاعله مستلزما له كان مقارنا له فيلزم مقارنة الأول له فإن لم تجب مقارنته له كان ممكنا مفتقرا إلى مرجح آخر وهلم جرا فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مرجح تام مستلزم لمفعوله فتبين أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون مبدعه مرجحا تاما مستلزما لمفعوله سواء عبر عنه بالعلة التامة أو المؤثر التام أو المرجح التام.
الصفدية (1>75)
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة؛ فإن الموجب بذاته إذا كان أزليًا يقارنه موجبه؛ فلو كان الرب تعالى موجبًا بذاته للعالم في الأزل لكان كل ما في العالم مقارنًا له في الأزل , وذلك ممتنع بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما شاء الله وجوده من العالم؛ فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته , وما لم يشأ يمتنع وجوده إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده.
ولفظ الموجب بالذات فيه إجمال؛ فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته فلا منافاة بين كونه فاعلا بالقدرة والاختيار؛ وبين كونه موجبًا بالذات بهذا التفسير , وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئًا من الأشياء بذات مجردة عن القدرة والاختيار فهذا باطل ممتنع , وإن أريد أن علة تامة أزلية تستلزم معلولها الأزلى بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه لازم لذاته أزلًا وأبدًا - الفلك أو غيره - فهذا أيضًا باطل.
فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله أو فسر بما يقتضي سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل , وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن فهو حق؛ فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته لكن لا يقتضي هذا أنه شاء شيئا من المخلوقات بعينه في الأزل بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوه متعددة.
ولهذا كان عامة العقلاء على أن الأزلي لا يكون مرادًا مقدورًا , ولا أعلم نزاعًا بين النظار أن ما كان من صفات الرب أزليًا لازمًا لذاته لا يتأخر منه شيء لا يجوز أن يكون مرادًا مقدورًا , وأن ما كان مرادًا مقدورًا لا يكون إلا حادثًا شيئا بعد شيء , وإن كان نوعه لم يزل موجودًا أو كان نوعه كله حادثا بعد أن لم يكن.
ولهذا كان الذين اعتقدوا أن القرآن قديم لازم لذات الله متفقين على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته , وإنما يكون بمشيئته وقدرته خلق إدراك في العبد لذلك المعنى القديم , والذين قالوا كلامه قديم وأرادوا أنه قديم العين متفقون على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته سواء قالوا هو معنى واحد قائم بالذات أو قالوا هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية الأعيان.
بخلاف أئمة السلف الذين قالوا إنه يتكلم بمشيئته وقدرته , وإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء؛ فإن هؤلاء يقولون الكلام قديم النوع , وإن كلمات الله لا نهاية لها بل لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته , ولم يزل يتكلم كيف شاء إذا شاء ونحو ذلك من العبارات.
منهاج السنة النبوية" (1>166) "
وأقوى دليل في الرد على من يقول بقدم العالم أن العالم لو كان قديما وكان علة تامة للمعلول لم يصدر شيء عن الخالق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)