وأما أدلة السنة فأكثر من أن تحصر ومنها حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه ابن ماجه وغيره، وفيه ندب - صلى الله عليه وسلم- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها حتى ولو كان المؤدي واحدًا، مما يدل على قيام الحجة بخبره، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لم يكن لهذا الندب فائدة تذكر.
وحديث مالك بن الحويرث حين وفد مع بعض قومه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) متفق عليه، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) رواه البخاري وغيره وفي رواية لابن عمر: (إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) متفق عليه، ففي هذه الأحاديث الأمر بتصديق المؤذن، والعمل بخبره في دخول وقت الصلاة، والإفطار والإمساك مع أنه واحد، ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في هذه العبادات، وهو من أوضح الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد.
واشتهر بعثه - صلى الله عليه وسلم - الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم وعمله بموجبها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة و زيد بن خالد في قصة العسيف، وفيه قال - صلى الله عليه وسلم-: (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، فاعترفت فرجمها، فاعتمد - صلى الله عليه وسلم- خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة، وفي يوم الأحزاب اكتفى النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبر الزبير وهو واحد حين قال: (من يأتيني بخبر القوم؟) .
وتواتر عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ وتعليم الناس أحكام الإسلام وشرائعه، والنيابة عنه في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات، فمن ذلك ما رواه الشافعي بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت:"بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد"، وحديث يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة، بعيدًا عن موقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري قال:"أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم"رواه الترمذي وغيره، وقال لأهل نجران - كما في الصحيحين: (لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين) ، فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه، وبعث - صلى الله عليه وسلم- أبا بكر سنة تسع على الحج، فأقام للناس مناسكهم نيابة عنه - صلى الله عليه وسلم-، وبعث عليًا تلك السنة فنبذ إلى قوم عهودهم، وبلغ عنه أول سورة براءة، وبعث قيس بن عاصم، و الزبرقان بن بدر، و مالك بن نويرة إلى عشائرهم، لتعليمهم الأحكام، وقبض الزكاة، وبعث معاذًا و أبا موسى و عمارًا وغيرهم إلى جهات متفرقة باليمن."
واشتهر أيضًا بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم فيما يخبرون عنه، وكذلك كتبه التي بعثها إلى الملوك في زمانه، كان يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالبًا، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، و عبدالله بن حذافة إلى كسرى.
ومثلها كتبه التي كان يبعثها إلى ولاته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولو لا أن أخبارهم تقوم بها الحجة لكان بعثهم عبثًا، ولحصل التوقف من المدعوين، ولم ينقل أن أحدًا منهم قال لمن علمه شيئًا من الدين، أو طلب منه جزية، أو زكاة أو نحوها: إن خبرك لا يفيد العلم، فأنا أتوقف حتى يتواتر الخبر بما ذكرت.
وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على قبول خبر الواحد والاحتجاج به، ولم ينقل أن أحدًا منهم قال:"إن هذا خبر واحد يمكن عليه الخطأ فلا تقوم به الحجة حتى يتواتر، ولو قال أحد منهم ذلك لنقل إلينا، وقد نقلت عنهم في هذا الباب آثار لا تحصى منها:"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)