الصفحة 94 من 253

استعدادًا سليمًا في تعرُّف وجوه الشَّبه الدقيقة بين الأَشياء، وأودعه قدْرةً على ربط المعاني وتوليدِ بعضها من بعض إلى مدًى بعيدٍ لا يكاد ينتهي.

وسرُّ بلاغة الاستعارة لا يتعدَّى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ، أنَّ تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحمْلك عمدًا على تخيُّل صورة جديدة تُنْسيك رَوْعَتُها ما تضمَّنه الكلام من تشبيه خفي مستور.

انظر إِلى قول البحتريِّ في الفتح بن خاقان [1] :

يَسمُو بكَفٍّ، على العافينَ، حانيَةٍ،تَهمي، وَطَرْفٍ إلى العَلياءِ طَمّاحِ [2]

ألست ترى كفَّه وقد تمثَّلتْ في صورة سحابةٍ هتَّانة تصُبُّ وبلها على العافين السائلين، وأنَّ هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأذْهلتْكَ عما اختبأَ في الكلام من تشبيه؟

وإذا سمعتَ قوله في رثاء المتوكل وقد قُتلَ غيلةً [3] :

صَرِيعٌ تَقَاضَاهُ السّيُوفُ حُشَاشَةً، يَجُودُ بها، والمَوْتُ حُمْرٌ أظافرُهْ [4]

فهل تستطيع أن تُبعِد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورةُ حيوان مفترس ضرِّجتْ أظافره بدماءِ قتلاه؟

لهذا كانت الاستعارةُ أبلغَ من التشبيه البليغ؛ لأنه وإِن بني على ادعاءِ أنَّ المشبَّه والمشبَّه به سواءٌ لا يزال فيه التشبيه منْوِيًّا ملحوظًا بخلاف الاستعارة فالتشبيهُ فيها مَنْسيٌّ مجحُودٌ؛ ومن ذلك يظهر لك أنَّ الاستعارة المرشحةَ أبلغُ من المطْلَقَةِ، وأنَّ المطلقة أبلغُ منَ المجردة.

أمَّا بلاغةُ الاستعارة من حيثُ الابتكارُ ورَوْعَة الخيال، وما تحدثه من أثرٍ في نفوس سامعيها، فمجالٌ فسيحٌ للإبداع، وميدانٌ لتسابق المجيدين من فُرسان الكلام.

انظر إلى قوله عزَّ شأْنه في وصف النار: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [5] (8) سورة الملك ، ترتسم أمامك النار في صورة مخلوقِ ضَخْمٍ بطَّاشٍ مكفهرِّ الوجه عابسٍ يغلي صدرُه حقدًا وغيظًا.

(1) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 29 / ص 385)

(2) - العافين: سائلي المعروف، وحانية: عاطفة شفيقة، وتهمى: تسيل، والطرف: البصر، والطماح: الذي يغالي في طلب المعالى والسعى وراءها.

(3) - زهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 88) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 34 / ص 286)

(4) - الصريع: المطروح على الأرض، وتقاضاه أصله تتقاضاه حذفت إحدى التاءين؛ وهو من قولهم تقاضى الدائن منه إذا قبضه، والحشاشة: بقية الروح في المريض والجريح؛ يصفه بأنه ملقى على الأرض يلفظ النفس الأخير من حياته.

(5) - تتميز غيظًا: تتقطع غضبًا على الكفرة، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم، والفوج: الجماعة، والاستفهام في قوله تعالى: {ألم يأتكم نذير} ؟ للتوبيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت