أنها قد ذكِر معها شيءٌ يلائم المشبَّه به، وهذا الشيءُ هو"فما ربحت تجارتهم"، وإِذا نظرتَ إِلى الاستعارة الثانية رأَيت بها شيئًا من ملائمات المشبَّه، وهو"من الإيوان باد"، وإِذا تأملت الاستعارةَ الثالثة رأيتها خاليةً مما يلائمُ المشبَّه به أو المشبَّه.
والأمثلة الثلاثة الثانية تشتمل على استعاراتٍ مكنيةٍ هي"الضمير"في رأت الذي يعود على المنايا التي شُبِّهتْ بالإنسان. و"القلم"الذي شُبِّه بالإنسان أيضًا و"الشرُّ"الذي شُبِّه بحيوان مفترس، وقد تمَّتْ لكل استعارة قرينتُها، إِذْ هي في الأُولى إِثبات الرؤْية للمنايا، وفي الثانية إثباتُ الشرب والغناء للقلم، وفي الثالثة إِثباتُ إِبداء الناجذيْن للشرِّ.
وإِذا تأملتَ رأيتَ أنَّ الاستعارة الأولى اشتملتْ على ما يُلائم المشبَّه به وهو"جعلتكَ مرمى نبلها"وأَنَّ الاستعارة الثانيةَ اشتملت على ما يلائم المشبَّه وهو"دواتُه قرطاسه"، وأَنَّ الاستعارة الثالثة خَلَتْ مما يلائم المشبَّه أَو المشبَّه به،و الاستعارة التي من النوع الأَول تسمَّى مرشحةً، والتي من النوع الثاني تسمَّى مجردةً، والتي من النوع الثالث تسمَّى مطلقةً.
القواعدُ:
(17) الاستعارة المُرَشَّحَةُ: ما ذُكِرَ معها مُلائم المشبَّهِ بهِ.
(18) الاستعارةُ المجرَّدَةُ: ما ذكِرَ معها مُلائمُ المشبَّهِ.
(19) الاستعارُة الْمُطْلَقة: ما خَلَتْ منْ مُلائماتِ المشبَّهِ به أو المشبَّه [1] .
(20) لا يُعْتَبَرُ الترشيحُ أو التجريدُ إِلا بَعْدَ أنْ تَتمَّ الاستعارةُ باستيفائها قَرينَتَها لفظيةً أو حالِيَّةً، ولهذا لا تُسَمَّى قَرينةُ التصريحيةِ تجْريدًا، ولا قِرينةُ المكْنيةِ تَرْشِيحًا.
نَموذَجٌ
(1) خلُقُ فلانٍ أرقُّ منْ أنْفاس الصَّبا إِذا غازلت أزْهارَ الرُّبا [2] .
(2) قال الشاعر [3] :
فَإِنْ يهْلِكْ فكلُّ عمودِ قَوْمٍ ... ... مِنَ الدُّنْيا إِلى هُلْكٍ يَصِيرُ
(3) إِنِّي شديدُ العطشِ إِلى لِقائِك.
(4) قال تعالى [4] :
ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ من كُلِّ ناحِيَةٍ ... فلا يُضيءُ لها نَجْمٌ ولا قَمَرُ
(1) - من نوع الاستعارة المطلقة الاستعارة التي تشمل على ترشيح وتجريد معًا، مثالها في التصريحية، نطق الخطيب بالدرر، براقة ثمينة، فارتاحت لها الأسماع. ومثالها في المكنية، قصف الموت شبابه قبل أن يزهر ويصل إلى الكهولة.
(2) - الربا: الأماكن العالية.
(3) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 5 / ص 415) وأساس البلاغة - (ج 1 / ص 321)
(4) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 282) وتاج العروس - (ج 1 / ص 4731) ولسان العرب - (ج 7 / ص 231)