للمشبَّه على سبيل الاستعارة التصريحية في الكلمتين، وشبِّهَ مَنْ دونه مرَّة بالسُّها ومرَّة بالنجومِ يجامعِ الصِّغَر والخفاء، ثم استعيرَ اللفظُ الدالُّ على المشبَّه به وهو السُّها والفراقد للمشبَّه على سبيل الاستعارة التصريحية في الكلمتين.
وفي البيت الثالث شُبِّهتِ البابليةُ -وهيَ الخمرُ - بامرأةٍ ثم حذفَ المشبَّه به ورُمزَ إليه بشيء من لوازمه وهو"عشِقَتْهُ"على سبيل الاستعارة المكنية.
إِذا رجَعْتَ إِلى كل إجراءٍ أجريناه للاستعارات السابقة، رأيتَ أننا في التصريحية استعرنا اللفظَ الدالَّ على المشبَّه به للمشبَّه وأننا لم نَعْملْ عملًا آخرَ، ورَمَزْنا إليه بشيءٍ من لوازمه، وأَنَّ الاستعارةَ تمَّت أيضًا بهذا العمل؛ وإذا تأملتَ ألفاظ الاستعارات السابقة رأيتها جامدةً غيرَ مشتقةٍ. ويسمَّى هذا النوع من الاستعارةِ بالاستعارةِ الأَصليةِ.
انظر إِذًا إِلى المثالين الأَخيرين تجدْ بكلٍّ منهما استعارةً تصريحيةً، وفي إجرائها نقول: شبِّهَ انتهاءُ الغضبِ بالسكوتِ بجامع الهدوءِ في كلًّ، ثم استعيرَ اللفظُ الدالُّ على المشبَّه به وهو السكوتُ للمشبَّه وهو انتهاءُ الغضبِ ثم اشتقَّ من السكوتِ بمعنى انتهاءِ الغضب سكتَ بمعنى انتهى.
وشُبِّهَ وصولُ صوت الأَسد إِلى الفرات بوصولِ الماءِ بجامعِ أنَّ كلاًّ ينتهي إلى غايةٍ ثم استعيرَ اللفظ الدالُّ على المشبَّه به وهو الورود للمشبَّه وهو وصول الصوتِ ثم اشتُقَّ منَ الورود بمعنى وصول الصوت ورد بمعنى وصل.
فإذا أنتَ وازنتَ بين إِجراءِ هاتين الاستعارتين وإِجراء الاستعاراتِ الأولى رأيتَ أَنَّ الإِجراءَ هنا لا ينتهي عند استعارةِ المشبَّه به للمشبَّه كما انتهى في الاستعارات الأُولى، بل يزيدُ عملا آخرَ وهو اشتقاقُ كلمةٍ من المشبَّه به، وأنَّ ألفاظ الاستعارة هنا مشتقةٌ لا جامدةٌ، ويسمَّى هذا النوعُ من الاستعارة بالاستعارةِ التبعيةِ، لأنَّ جريانِها في المشتقِّ كان تابعًا لجريانها في المصدر.
ارجع بنا ثانيًا إلى المثالين الأخيرين لنتعلَّم منهما شيئًا جديدًا، ففي الأول وهو"وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ"يجوز أنْ يشبَّه الغضبُ بإنسان ثم يحذفُ المشبَّه به ويرْمز إليه بشيءٍ من لوازمه وهو سكتَ فتكون في"الغضبِ"استعارةٌ مكنيةٌ. وفي الثاني وهو"ورد الفراتَ زئيره"يجوز أن يشبَّه الزئيرُ بحيوان ثم يحذف ويرمز إليه بشيء من لوازمه وهو ورد فيكون في"زئيره"استعارةٌ مكنيةٌ، وهكذا كلُّ استعارةٍ تبعيةٍ يصحُّ أنْ يكون في قرينتها استعارةٌ مكنيةٌ غيرَ أنه لا يجوز لك إجراءَ الاستعارة إِلا في واحدةٍ منهما لا في كلتيهما معًا.