الصفحة 57 من 253

لا تُنكِروا ضرْبي لَه منْ دُونَه ... ... مثلًا شَرودًا في النّدى والباسِ [1]

فالله قَدْ ضرب الأَقلَّ لِنُورِهِ [2] ... ... مَثلًا مِن المِشْكاةِ والنبراس [3]

فما معنى الردِّ الذي ساقه أبو تمام في البيتين السابقين؟ وهل في استطاعتك أنْ تدافع عن أبي تمام بحجةٍ أخرى بعد أنْ تنظر في البيتِ جميعهِ؟ وما نوع التشبيهِ الذي يُرْضِي هؤلاءِ النقَّادُ؟

(9) هاتِ تشبيهاتٍ مقلوبةً في وصفِ جريءٍ مقدامٍ، ثمَّ في وصفِ سفينةِ، ثم في وصفِ كلامٍ بليغٍ.

(10) قال المتنبي [4] :

ولَوْلا احتِقارُ الأُسدِ شَبّهتُهمْ بها ولكِنّها مَعدودَةٌ في البَهائِمِ

تكلَّمْ على ما في البيت السابق من ضروب الحسن البياني، وهل تَري أن المدح يكون أبلغَ لو قال"شبهتها بهم"وماذا يكون التشبيه إذًا؟

(7) بلاغةُ التشبيهِ وبعضُ ما أُثِرَ منه عن العرب والمُحْدَثين [5]

تنْشأُ بلاغةُ التشبيه منْ أنه ينتقل بكَ منَ الشيء نفسِه إلى شيءٍ طريفٍ يشبهه، أو صورةٍ بارعة تمثِّله. وكلما كان هذا الانتقالُ بعيدًا قليلَ الخطورة بالبال، أو ممتزجًا بقليل أو كثيرٍ من الخيال، كان التشبيهُ أروعَ للنفس وأدعَى إلى إعجابها واهتزازها.

فإذا قلتَ: فلانٌُ يُشبه فلانًا في الطول، أو إِنَّ الأرضَ تشبهُ الكره في الشكل، أو أَنَّ الجزرَ البريطانية تشبهُ بلادَ اليابان، لم يكنْ لهذه التشبيهاتِ أثرٌ للبلاغةِ؛ لظهورِ المشابهةِ وعدم احتياج العثور عليها إلى براعةٍ وجهْدٍ أدبيٍّ، ولخلوها منَ الخيال.

وهذا الضربُ منَ التشبيه يُقصَدُ به البيانُ والإيضاح وتقريبُ الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون.

ولكنكَ تأخذكَ رَوْعةُ التشبيه حينما تسمعُ قول المعري يَصِف نجمًا [6] :

(1) - شرودًا: سائرًا، والندى: الكرم، والبأس: ا لشجاعة والقوة.

(2) - قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (35) سورة النور

(3) - المشكاة: فتحة في الحائط غير نافذة، و النبراس: المصباح.

(4) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 27) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 40) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 110) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 313)

(5) - المحدث في اللغة: المتأخر، والمراد به هنا من جاء عهد العرب الذين يحتج بكلامهم في اللغة.

(6) - سر الفصاحة - (ج 1 / ص 87) وتفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 8) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 82 / ص 148)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت