الصفحة 218 من 253

رَحَلُوا فَلَستُ مُسَائِلًا عَنْ دَارهِمْ ... ... أنَا"بَاخِعٌ نَفْسِي [1] عَلَى آثَارَهِمْ" [2]

(3) وقال أبو جعفر الأندلسيُّ [3] الغرناطي [4] :

لا تُعادِ النَّاسَ في أَوْطانِهمُ ... قَلَّما يُرْعى غَريبُ الوَطَنِ [5]

وإذا ما شئتَ عَيْشًا بينهُمْ ... خالِقِ النَّاسَ بخُلْقٍ حَسَنِ" [6] "

البحثُ:

العبارتانِ اللتانِ بينَ الأقواس في المثالين الأَولين مأْخوذتانِ من القرآن الكريم، والعبارة التي بين قوسين في المثال الثالث من الحديث الشريف، وقد ضمَّن الكاتبُ أو الشاعر كلامه هذه الآثار الشريفة من غير أن يُصرَّح بأنها من القرآن أو الحديث وغرضه من هذا التضمين أن يسْتعِيرَ من قوتها قوة، وأن يكشف عن مهارته في إِحكام الصلة بين كلامه والكلام الذي أخذه، وهذا النوع يسمَّى اقتباسًا، وإِذا تأملتَ رأَيتَ أن المُقْتَبس قد يُغَيِّر قليلًا في الآثار التي يقْتَبِسُها كالمثال الثاني إِذ الآية: {فَلعلَّكَ باخِعٌ نَفْسكَ على آثارهِمْ} .

القواعدُ

(69) الاقْتِباسُ: تَضْمِينُ النَّثْر أو الشِّعر شَيْئًا مِنَ الْقُرآن الكريم أو الحديثِ الشريفِ مِنْ غَيْر دلالةٍ عَلَى أنَّهُ منهما، ويَجُوز أنْ يُغَيِّرَ في الأَثَر المُقْتَبِس قَليلًا.

تمريناتُ

بيِّنْ في كلِّ اقتباس مما يأتي حُسْنُ تأتَّي البليغ في إِحكام الصلة بين كلامه والكلام المُقتَبس:

(1) اغتنم فودك [7] الفاحمَ [8] قبل أن يبْيضَّ، فإنما الدُّنيا"جدارٌ يريد أن ينقض [9] ".

(2) وكتب القاضي الفاضل [10] في الرد على رسالة:

(1) - بخع نفسه: قتلها غمًا.

(2) - قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (6) سورة الكهف

(3) - أديب قوي الإدراك، أجاد في فني النظم والنثر، وجرت له مع لسان الدين بن الخطيب مباحثات ومراسلات، وله ديوان شعر، وتوفى نحو سنة 772 هـ.

(4) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 7 / ص 375) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 412)

(5) - يرعى غريب الوطن: أي يلحظ بالإحسان.

(6) - أخرجه الترمذى برقم ( 2115 ) عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » وهو حديث صحيح .

(7) - الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن.

(8) - الفاحم: الأسود.

(9) -ينقض: يسقط. قال تعالى: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (77) سورة الكهف

(10) - كاتب من أئمة الكتاب، كان من وزراء السلطان صلاح الدين ومن مقربيه، وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الإنشاء، وله طريقة في الكتابة عمادها السجع والتورية تعرف بالطريقة الفاضلية، حاكاه فيها من جاء بعده من الأدباء، ولد بعسقلان، وتوفى بالقاهرة 596 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت