الصفحة 152 من 253

(9) و قال البحتري [1] :

لا تَعْرِضَنّ لِجَعْفَرٍ، مُتَشَبّهًا بَنَدَى يَدَيهِ، فَلستَ مِنْ أنْدَادِهِ

(10) لا تَمْتَثلْ أمري (تقول ذلك لمن هو دونك)

(11) قال أبو الطيب يهجو كافورًا [2] :

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ [3]

البحثُ:

إذا تأملت أمثلة الطائفة الأولى رأيت كلاًّ منها يشتمل على صيغة يُطلب بهذا الكف عن الفعل: وإذا أنعمت النظر رأيت طالب الكفِّ فيها أعظم وأعلى ممن طلب منه. فإِن الطالب في أمثلة هذه الطائفة هو الله سبحانه وتعالى والمطلوب منهم هُمْ عبادُه. وهذا هو النهي الحقيقي- وإذا تأملت صيغته في كل مثال يرد عليك وجدتها واحدة لا تتغير، وهي المضارع المقرون بلا الناهبة.

انظر إذًا إلى الطائفة الثانية تجد أَن النهي في جميعها لم يستعمل في معناه الحقيقي. وهو طلب الكف من أَعلى لأَدنى؛ وإنما يدل على معان أخرى يدركها السامع من السياق وقرائن الأَحوال.

فمسلم بن الوليد في المثال الرابع لا يقصد من النهي إلا الدعاءَ للخليفة الرشيد بالبقاء لتأييد الإسلام و إعلاء كلمته.

وأبو الطيب في المثال الخامس إنما يلتمس من صاحبيه أن يكْتُما عن سيف الدولة ما سمعاه في وصف شجاعته و فتكه بالأعداء و حسْن بلائه في الحروب؛ لأنه شجاع و الشجعان يشتاقون إلى الحروب متى ذُكرت لهم، وهذا على ما جرت به عادة العرب في شعرهم إِذ يتخيل الشاعر أن له رفيقين يصطحبانه ويستمعان لإنشاده. فيخاطبهما مخاطبة الأنداد، وصيغة النهي متى وجِّهَتْ من نِدٍّ إلى نده أفادت الالتماس.

وأبو نوَاس في المثال السادس إنما يتمنى أن تتحمل ناقته مشاق السفر وألا ينزل بها السأم حتى تَبلغ ديار الأمين، فترى هناك كيف جمع الله العالمَ في صورة إنسان.

وأبو العلاء في بيته إنما ينصح مخاطبه و يرشده إِلى الابتعاد عن السفهاء و أهل الدنايا.

(1) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 68) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 31 / ص 458)

(2) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 344) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 50) وغرر الخصائص الواضحة - (ج 1 / ص 63) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 48 / ص 447)

(3) - المناكيد: جمع منكود و هو قليل الخير: أي إن اعبد لا يصلح إلا بالضرب و الإهانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت