وعن أبي عثمان يقول: الخوف من الله يوصلك إلى الله, و الكبر و العجب في نفسك يقطعك عن الله, و احتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى. [1]
وعن سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون بن إبراهيم و سأله رجل من أراد التواضع كيف السبيل إليه؟ فقال له: أفهم ما ألقي إليك- رحمك الله - من أراد التواضع فليوجه نفسه إلى عظمة الله, فإنها تذوب وتصغر, ومن نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه؛ لأن النفوس كلها حقيرة عند هيبته, ومن أشرف التواضع أن لا ينظر العبد إلى نفسه دون الله, ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من تواضع لله رفعه الله" [2] ويقول: من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله يعني بالانقطاع إليه. [3] وقال: سمعت ذا النون يقول: ثلاثة من أعلام التواضع: تصغير النفس معرفة بالعيب, و تعظيم الناس حرمة للتوحيد, و قبول الحق و النصيحة من كل أحد. [4]
أيها الناس:
كثيرا ما نرى أناسًا يختالون في مشيتهم شبابًا ونساءً, وكأنهم قد ملكوا وسادوا وفازوا, كثيرا ما يعجب المرء بنفسه, بصلاته, أو بعبادته فيحتقر غيره لطول صلاته عنه, أو لأنه يريد أن يتظاهر بالصلاح بثباته, أو شكله, أو أنه المتمسك بدينه وغيره لا , وهكذا.
قال الله تعالى في حديث قدسي:"إنما أتقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يستطل على خلقي" [5] وقال:"أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" [6]
الإسلام أخلاق عالية, آداب رفيعة تحتاج إلى فهم, وتطبيق عملي يحتاج إلى ربط القول بالفعل, والمظهر بالمخبر:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [7] فيجب علينا طهارة القلوب من الكبر, ومن العجب, ومن الفخر, ومن البطر,
(1) - شعب الإيمان ج 6 ... ص296
(2) - سبق تخريجه.
(3) - شعب الإيمان ج 6 ص 297 - حلية الأولياء ج 9 ص 369
(4) - شعب الإيمان ج 6 ... 298
(5) - سبق تخريجه.
(6) - كشف الخفاء , حرف الهمزة مع النون, رقم (614) ج 1 ص 233.
(7) - أخرجه مسلم في صحيحه , كتاب البر والصلة والآداب , باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله , رقم (2564) ,ج 4 ص 1986.