فأحبوا واتبعوا الأئمة الأعلام, ومن ذلك ما يروى: أن الرشيد دخل مدينة الري في الوقت الذي دخلها فيه مالك بن دينار, فاجتمع الناس على مالك وتركوا الرشيد.
واطلعت أم ولد للرشيد من نافذة القصر الذي نزل فيه الرشيد, فتساءلت: ما للناس؟ فقالوا لها: إن مالك بن دينار دخل الري.
فقالت: هذا والله هو السلطان, لا ذلك السلطان الذي يجمع الناس له بالسوط والدرهم
القرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نوعان:
قرب حسي, وقرب معنوي.
والقرب الحسي نوعان: قرب زمان, وقرب مكان.
قرب الزمان والمكان معًا كما اجتمع لأصحابه, كان لهم فضل كثير على سائر الأمة
والقرب الحسي والمعنوي معًا لما اجتمع لأهل بيت النبي كان لهم فضل كبير على سائر الصحابة. وإذا فضلنا القرب الحسي عن المعنوي كان له أفضلية أيضا.
فالقرب الزماني جعل زمنه أفضل الأزمان, وقرنه خير القرون, ثم الذي يليه ثم الذي يليه.
والقرب المكاني جعل مكة أحب البلاد إلى الله, وأحبها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولادته - صلى الله عليه وسلم - ونشأته فيها, وبعثته ونزول القرآن.
وجعل للمدينة أيضا فضل لما انتقل إليها بالهجرة, واجتباها لأن يكون فيها مقامه الشريف؛ لذا سميت بطيبة, وهي تسمية لم تعرف من قبل سماها الله طيبة؛ لأنها طيبة طابت بالحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - , وطاب هواها, وطاب ترابها, وطاب سكنها وماءها, وطعامها, بها تشفى القلوب, وتصح النفوس, حتى قال - صلى الله عليه وسلم - في المدينة:"إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ودعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" [1]
أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها" [2]
ولله در القائل:
في أرضكم قبر النبي وبيته ... والمنبر العالي الرفيع الأطول
(1) - أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب الحج , باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها رقم (1360) ج 2 ص991.
(2) -ذكره ابن حبان كتاب الحج, باب فضل المدينة, رقم (3729) ج 9 ص 47 قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين