وهي التنجُّس بأخلاق الجاهلية، والتي كانت في مقامات كثيرة مجال للفخر والاعتزاز رغم ما فيها من خلف بهيمي.
فنقول هذه الأسرة كانت تتميز بترفُّعها عن تلك الأخلاق الجاهلية، وكان هذا أمرًا معروفًا مشهورًا عنها يشهد به أعداؤها قبل أصدقائها، فلا عجب أن ينتسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المصطفى المنتقى إلى تلك الأسرة الكريمة في الجاهليّة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الإمام مسلم عن واثلة بن الأسقع، ورواه الترمذي وصححه: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) [1] .
فهو -عليه الصلاة والسلام- مصطفى حقًا وصدقًا، بل هو خلاصة الصفوة، وخلاصة ذلك العرق الطيب، صفوة من صفوة ومن صفوة - صلى الله عليه وسلم -.
وفي فضل قريش كذلك ما ورد عن أمّ هانئ مرفوعًا وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّحه وحسّنه العراقي والألباني في (السلسلة الصحيحة) ؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: (فضل الله قريشا بسبع خلال؛ أني فيهم وأن النبوة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن) . ثم تلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بسم الله الرحمن الرحيم {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} ). [2]
وفي حديث الذي رويناه سابقًا حول لقاء هرقل مع أبي سفيان قبل إسلامه [3] ؛ أنّ هرقل سأل أبو سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟"، وهرقل سأل هذا السؤال لأنّه من علامات النبوّة المذكورة في التوراة والإنجيل، والتي يعلمها علماء أهل الكتاب، ولم يكن أبو سفيان يَسَعُه أن يكذب كما أشار هو بنفسه في صدر الحديث، فقال أبو سفيان:"هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ"؛ فأعداؤه حتّى وهم يحاربونه يعترفون له - صلى الله عليه وسلم - بشرف النسب وبطيب العنصر، ثم في آخر الحديث بعد أن انتهت الأسئلة والأجوبة قال هرقل:"(سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها"، وهرقل كان من أعلم أهل زمانه بالكتاب، فهذه العلامة على التحقيق هي من علامات النبوة. قال ابن خلدون في حديثه عن علامات النبوة في مقدمته:"ومن علاماتهم أيضًا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم"اهـ. [4]
(1) صحيح مسلم (2276) ، سنن الترمذي (3606) .
(2) مستدرك الحاكم (3975) .
(3) انظر: صحيح البخاري (7) .
(4) تاريخ ابن خلدون (1\ 117) .