ولكن هذه الصورة -سواء المجوسية أو اليهودية أو النصرانية- لا تمثل إلا الشواذ، بينما الديانة الرئيسية التي كانت عليها العرب في تلك الفترة هي عبادة الأصنام والأوثان، وما كان هذه الديانات الأخرى إلا نذر يسير لدى بعض الأقوام.
وفي هذه الظلمة الظلماء كان هناك نفر يسير ممّن تمسّكوا بدين إبراهيم الحنيفيّة الأولى، وكانوا يُعرفون عند قومهم بالحُنفاء، وممن أشهر هؤلاء الحنفاء زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن عمّ عمر بن الخطاب، ووالد أحد العشرة المبشرين بالجنة سعيد بن زيد -رضي الله عنهم جميعًا-، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن زيدًا يُبعث يوم القيامة أمة وحده. وكذلك كان منهم قسّ بن ساعدة الإياديِّ وهو الخطيب والداعية للحنفيّة المشهور في زمن الجاهلية، وكذلك كان منهم ورقة بن نوفل. المهم أن هؤلاء كانوا نذرًا يسيرًا لا يكاد يوجد لهم أثر في ضمن هذا التيه وهذا الركام الهائل في الجاهلية.
وبهذه العجالة نكون قد أخذنا صورة سريعة عن حالة العرب قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم -، والهدف من هذا الاستعراض أنّنا رأينا كيف كان القوم يرضخون في جاهلية جهلاء، وكيف انتقلوا في زمن يسير إلى قمّة المجد وإلى صناعة التاريخ.
سبحانه الله بحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.