فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 94

لديكم من غشٍ ومكرٍ وغدرٍ وتنافس وتحاسد، وهذه الأخلاق تُعتبر العامل الأوّل في تفكك المجتمع اليهوديّ.

فالديانة اليهودية ديانة ماديّة؛ لا تؤمن بالبعث ولا بالنشور ولا بالحساب ولا باليوم الآخر، حتى عند أشد الناس التزامًا بها، فهذه المفاهيم الغيبية لا تُعْرَف عند اليهود، ومن ثمّ فهُم أناس ماديّون أشدُّ ما تكون الماديّة، وهذه المسألة تؤدّي إلى تفكّك رهيب في المجتمع اليهودي، وتؤدي إلى تنافس وتناحر وتشاحن وحقد وحسد وسوء خلق وإلى سائر تلك الرذائل، وصدق الله العظيم إذ يقول فيهم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [1] ، وهذه خصلة مركوزة في نفس اليهودي، لا تستطيع مهما بلغت من التدين والالتزام بدينها أن تتخلص منها، فهم قومٌ غُدْر حتى بينهم وبين أنفسهم، فهذا عاملٌ أوّل في تفكك وانهيار المجتمع اليهودي.

زاد التناحر والتشرذم في داخل المجتمع اليهودي وأَوجُهُ التناقض والاختلاف بينهم ليصل إلى أَوْجِه؛ تلك الهجرة الجماعية التي دعت إليها إسرائيل لجمع يهود الشتات من كل أنحاء العالم في دولة إسرائيل، فاجتمع اليهود على اختلاف قوميّاتهم؛ يهود العرب ويهود الغرب ويهود الشرق ويهود الفلاشا، إلى غير هذه القوميات المختلفة، فازداد التناحر والتنافس بينهم.

فهم التنافس والتناحر قائم بينهم بدون أي عوامل خارجيّة؛ فعندما ازدادت هذه العوامل ازداد التناحر والتنافس والحقد والحسد الذي يُهدّد المجتمع اليهودي بالانهيار والتمزّق، ولولا وجود اليهود في المحيط العربي، ولولا أنهم يستشعرون الخطورة من كلّ مكان؛ لظهر هذا التنافس والتناحر بصورة واضحة للعيان، والذي يمنع ذلك هو شعورهم بالخطر الخارجي الذي يحيط بهم، فهذا الخطر الخارجي يجعلهم يتكاتفون ولو ظاهريًا لمواجهته ودفعه.

عامل ثانٍ يرشِّح الدولة اليهوديّة للانهيار هو ذلك التيّار المتنامي وبشدّة؛ وهو التيّار الديني المتطرّف عند اليهود، وآخر الاستطلاعات تشير إلى هذه الحقيقة، ذلك التيار ومنذ سنوات مُتعدّدة بَدَأ بالصعود التدريجي، إلّا أنّه وفي الخمس سنوات الأخيرة كان مُعدّله في القمّة، وهو ما عرّفه بعض المراقبين للأوضاع اليهودية بالأصوليّة التوراتيّة.

وذلك التيّار الديني أو اليميني -كما يسمّيه السياسيّون- بدأ يكتسح الساحة اليهوديّة، وبدأ يَتَرشّح كفكر يلتف حوله جميع اليهود في الخارج وفي الداخل، ورأيتم كيف أن لهذا التيار قوة رادعة، تسير جنبًا بجانب القوة الفكرية، ورأيتم كيف كان رئيس وزراء إسرائيل -الشخصيّة الأولى في إسرائيل- ضحيّة لهذا التيّار الديني، فمن منظور الاتّجاه الديني اليهودي كان إسحاق

(1) سورة الحشر، الآية: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت