فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 94

في أقل من خمسين سنة استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأييد الله له وبهذا القرآن المُعجِز الذي أُنزل عليه من فوق سبع سنوات وبهذا المنهج الربّاني؛ استطاع أن يكتسح هذا الظلام، وأن يزيل هذا الركام الجاهليّ من العقائد والتصورات والعادات والتقاليد والسلوك والأخلاق، وأن ينشر في العالم بأسره ضوء الإسلام ونور الوحي الكتاب والسنة.

وأكمل الصحابة من بعده المسيرة، وغطّوا جزءًا كبيرًا من العالم بهذا النور وهذا الفيض الإلهي، فانقلبت الصورة تمامًا في مدة أقل من عمر الإنسان، في أقل من 50 سنة يتحوّل العالم ويتغير وجه الكرة الأرضيّة تغيرًا جذريًا من أقصى الظلام الحالك إلى أقصى النور؛ إلى الصورة المثلى، إلى النموذج القدوة الذي نستدلّ به إذا أردنا أن نضرب مثلًا على التطبيق الصحيح للإسلام.

الإنسان لو فكر في هذا التغيير فقط يخرج بدليل يقيني على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى صدق دعوته كما قال الشيخ مصطفى السباعي، أن ينقل الناس من النقيض إلى النقيض في هذه الفترة القصيرة هي بحدّ ذاتها معجزة من معجزاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وهذ المسألة تترتب عليها مسألة أخرى موجّهة إلينا نحن؛ مع الاحتفاظ بخصوصيته - صلى الله عليه وسلم - وخصوصية الصحابة فهذا الجيل لن يتكرر، ولكن السبب الرئيس في هذا التغيير ما زال قائمًا بين أيدينا، وهو هذا الكتاب الرباني المحفوظ من بين يديه ومن خلفه، وهذا المنهج الإلهي السماويّ الذي ما زال اليوم بين الناس غضًا طريًا كما أُنزل، مهما عَلَا الناس من انحرافات ومن ركام ومن تصوُّرات جاهليّة ما أنزل الله بها من سلطان.

وكما حدثت المعجزة من قبل فنحن مُكلّفون ومَأمُورون من فوق سبع سماوات ببذل أقصى الجهد لإعادة ذلك، ولم نؤمر بتحقيق النتيجة ولكن أُمرنا بالسير بجديّة وبإخلاص وبصدق في المتابعة، مأمورون بأن نسلك مسلكهم، وأن نسير سيرهم وأن نقتدي بهم حقًا وصدقًا فيما نحبّ وفيما نكره، فالمنهج هو المنهج والقرآن هو القرآن، ولكن الفرق هو في النفوس وفي القلوب التي تتعامل مع هذا المنهج وتتعامل مع هذا القرآن.

النقطة الثانية أن هذا التغيير المُعجز والخيالي فيه لنا -في هذا العصر- تحفيز للهمم واستثارة للعزائم لنسير سيرهم ونسلك دربهم، ونحن مُبَشَّرُون كذلك بالظفر والتمكين الذي تحقّق للصحابة الكرام رضي الله عنهم، فلماذا التأخير؟ ولماذا التَّواني؟ ولماذا التَّخذيل؟ فالنتيجة مضمونة لنا؛ إحدى الحسنيين إمّا النصر وإمّا الشهادة، فيصبح من السذاجة والبلاهة والغفلة التأخّر أو التراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت