ولمكان هذا أشرنا نحن على من يريد أن يعرف قوى الأدوية في المواضع التي أمرنا فيها بأن يكون اختبار قوّة كل واحد من الأدوية واعتبارها بالتجارب التي يجري أمرها على تحديد وتحصيل فنعتبر أن نختار لتجربة مرض أبسط ما يمكن أن يكون الدواء ونجربه عليه، وجل الأطباء لا يعلمون هذه الخصلة فضلًا عن غيرها أعني أن يكون أكثر الأمراض منذ أول أمرها وفي ابتدائها مركبة ولأن الحمرة الخالصة هي مرض غير هذا المرض التي قد جرت عادتنا معشر اليونانيين أن نسميه فلغموني وهو الورم الحادث عن الدم على أن القدماء لم يكونوا يعنون بقولهم فلغموني هذه العلة، ولا يعلمون أيضًا أن فيما بين هاتين العلتين عللًا أخرى كثيرة بعضها في المثل حمرة فلغمونية وبعضها فلغموني حمرته، وربما وجدت في بعض الأوقات هاتين العلتين لا تغلب واحدة منهما صاحبتها بل هما على غاية التكافؤ والمساواة، وكذا أيضًا قد نجد عيانًا أنه يكون مرارًا كثيرة حمرة يخالطها ورم بلغمي وحمرة يخالطها ورم صلب سوداوي، وإذا كان الأمر على هذه العلل في كتاب حيلة البرء وفي كتاب آخر فأما ههنا فيجب ضرورة أن نقول فيها أن الضماد الذي وصفه ديسقوريدوس وهو الذي ذكره قبل ليس يشفي في وقت من الأوقات الحمرة الخالصة. أعني بقولي حمرة خالصة الحمرة التي تكون عندما يمتلئ العضو مادّة من جنس المرار وأنت تقدر أن تعلم أن الكزبرة بعيدة عن أن تبرد من أسباب قالها ديسقوريدوس نفسه بينها في كتابه، وذلك أنه زعم أنها تحلل وتذهب الخنازير إذا استعملت مع دقيق الباقلا، ولا أحسب ديسقوريدوس شك في أن الأدوية الباردة ليس شيء منها يفي بحل الخنازير وإذهابها إذ كان قد وصف في كتابه من الأدوية التي تشفي هذه العلة المعروفة بالخنازير أدوية كثيرة كلها موافقة ومزاجها حار وفعلها التحليل. ديسقوريدوس في الثالثة: فوريون وباللطيني فابيرة له قوّة مبردة وكذا إذا تضمد به مع الخبز أو السويق أبرأ الحمرة والنملة، وإذا تضمد به مع السعل والزبيب أبرأ الشرى وورم البيضتين الحار والنار الفارسي، وإذا تضمد به مع دقيق الباقلا حلل الخنازير والجراحات وبزره إذا شرب منه شيء يسير بالمتبجيح أخرج الدود الطوال وولد المني. وإذا شرب منه شيء كثير خلط الذهن ولذلك ينبغي أن يتحرز من كثرة شربه وإدمانه، وماء الكزبرة إذا خلط بأسفيذاج أو الخل ودهن الورد أو المرداسنج ولطخ على الأورام الحارة الملتهبة الظاهرة في الجلد نفع منها. ابن سينا: في الثاني من القانون عندي أنّ المائية فيها برودة غير فاترة البتة اللهم إلا أن يكون بسبب جوهر لطيف حار يخالطها يسرع مفارقته لها، وقد قال حنين أيضًا أن جالينوس نفى البرد عن الكزبرة معاندة لديسقوريدوس. أقول: وقد شهد ببردها روقس وأركاغانيس وغيرهما وهي باردة في آخر الأولى إلى الثانية يابسة في الثانية. وعند أبي جريج في الثالثة وعندي أن اليابسة مائلة إلى تسخين يسير. جالينوس: إذا كانت تحلل الخنازير فكيف تكون باردة وقد يمكن أن يقال له أن تحليل الكزبرة للخنازير لخاصية فيها أو لأن فيها جوهرًا لطيفًا غواصًا ينفذ ويغوص ولا يغوص الجوهر البارد لكنه إذا شرب يحلل الحَمَار بسرعة وينقي البارد والألم يكن. يجب أن يكون الإكثار من عصارتها مائلًا إلى التبريد والكزبرة تنفع من الدوار الكائن عن بخار مراري أو بلغمي كائن من ذلك وتولد ظلمة البصر أكلًا وتنفع الخفقان شربًا وقال في مقالته في الهندبا: ومنها أن يكون لكل واحد من المنفصلين خاصية بوجه نحو عضو خاص مثل الكزبرة فإنّ فيها جوهرًا حارًا لطيفًا مقويًا للقلب وهذا الجوهر يبادر إلى القلب وجوهرًا آخر كثيفًا باردًا أرضيًا ينحدر إلى الأعضاء السفلية فينفع من السحج وحمرة الأحشاء، وقد علم أهل التجربة وشهد به ديسقوريدوس أن الكزبرة الرطبة بالسويق تحلل الخنازير وذلك بسبب أن الحار الغريزي يحلل منه الجوهر الحار اللطيف ويغوص في داخل الجلد حتى يأتي المادّة الغليظة التي هي سبب الخنزير ويبقى الجوهر الغليط خارجًا لا يزاحم الجوهر المحلل بتكثيفه بل بأن يتقدمه شيء بقوّة يسيرة من البرد ويعين الحار الغريزي على الخارج عن الاعتدال بسبب عفونة أن كانت في الخنازير،، ومنها أن يكون الفصل والتفريق بتدبير الطبيعة المسخرة لمثل ذلك بإذن خالقها، وقال في كتابه في الأدوية القلبية: الكزبرة اليابسة