قال المؤلف: ولما انتهى جالينوس إلى هذا الموضع أورد كلامًا عجيبًا في تجربة جربها في الجبن بنفسه ظهر له نحجها أوردها الآن عنه ورأيت التميمي قال فيه قولًا لا أدري من أين أخذه ولا عمن نقله ولا أعلم وجه صوابه، وأنا أبدأ بكلام التميمي، فأورده وأتلوه بكلام جالينوس ليعتمد عليه ويرفض ما سواه. قال التميمي ما هذا نصه: وإن طبخ عتيق الجبن مع لحم الخنزير الهرم المعتق في الملح ولحم الإبل حتى ينضج جميع ذلك ثم ضمدت به الأورام الغليظة المتولدة في المفاصل الكائن منها التعقد والاستحجار حللها وأزالها وكذلك يفعل إن دق في الهاون مع كرعان الخنازير والمر الأحمر والأملج والموم ودهن الناردين حتى يصير بمثابة المراهم، ثم ضمدت به المفاصل ذات الأورام الصلبة المستحجرة حللها وأزالها. قال المؤلف: هذا نص كلام التميمي وهو كلام لم أسمعه عن قديم ولا محدث سواه، ولا أعلم هل هو شيء نقله عن غيره أم هل سمع عن جالينوس كلامًا في هذا المعنى فنقله على غير جهته وأنا أورد ما قاله جالينوس في ذلك بنصه ليعتمد عليه ويطرح مما سواه، فإنّ الفاضل جالينوس هو الذي اخترع العلاج بالجبن لهذا المرض المذكور وجربه فصح له على ما سنبينه عنه، ولم يشاركه أحد فيه أعني لم يفعله قبله فنقله عنه جالينوس ولا أبصر فعله عند التجربة فزاد غيره فيه، ودل بذلك دلالة بينة على أنّ العدول عما نص عليه جالينوس بزيادة أو نقصان إما وهم في النقل أو افتيات في الصناعة عليه. قال جالينوس: وإني قد ركنت مرة على جبن جاؤوني به على أنه حريف من رائحته فقط، وكان كذلك فرفضت الاغتذاء به غير أن الخادم والغلمان تناولوا منه شيئًا ورفع الخازن منه بقية فأحرزه عنده حينًا، ثم جاءني يومًا يؤامرني فيه أيعطيه ذا الحاجة ممن يغتذي به ومن أحبّ أكله من الخدم أم يحبسه؟ فأمرته أن يحضر ما كان عنده منه فجاءني به وقطع بعضه فإذا هو صحيح لم يتآكل ولم يتولد فيه عود ولا عفونة، واتفق في ذلك الوقت والجبن بين يدي أن قومًا جاؤوني بعليل وبه وجع المفاصل محمول في محفة لا يستطيع التقلب ولا يقدر على الحركة، فلما رأيته أمرت بعض الخدم فجاؤوني بساق خنزير ثم أمرتهم بطبخه فطبخ بماء طبخًا بليغًا وصفي ذلك المرق وجاؤوني به فأمرت بذلك الجبن فقطع منه قطع كثيرة وجعل في صلاية وصبوا عليه ذلك المرق وسحقوه سحقًا ناعمًا حتى صار مثل المرهم، ووضعته على مفاصل ذلك الرجل فانتفع به منفعة عجيبة، وذلك أن جلده تشقق من تلقاء نفسه وسال منه صديد مائي وخف به وجعه، فلما رأى ذلك المريض منفعته وقد فنى ما كان عندنا نحن من الجبن حصل مثل ذلك الجبن في عتقه وحرافته ودام على استعماله حتى برىء من علته ووصفه لعدة من المرضى ممن كان به وجع المفاصل فتعالجوا به منه مثل علاجه فبرؤوا برءًا تامًا، فهذا ما جربناه نحن في فعل الجبن فوجدناه نافعًا وحمدنا فعله.