فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 743

ونقطة أخرى قبل التحول إلى غيرها؛ وهي أن الآيات السالفة الذكر فيها الإخبار من الله تعالى على تلك الأخوة وفق ما فسر أهل التفسير، وليس فيها أن نبيًا من الأنبياء عليهم السلام قال لكافر من الكفار:"يا أخي، يا أخي..."، أو"يا إخواني..."، بل يقول: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [هود: 65] ، ومثيلاتها، فبطل القياس لهذا الفارق.

زد على هذا أن القرضاوي وأمثاله لا يقولون للشيوعيين والبوذيين والهندوس... مثلًا؛ يا إخوان، مع أن الإنسانية جامعة، فهل هي إلا أخوة المحبة مع النصارى؟

من هنا كانت إثارة هذه الأخوة مع النصراني اللبناني، الحربي بمفهوم الشرع، تلبيسًا خسيسًا لا يشي إلا بالأخوة المحرمة، والتي هي ثمرة العقيدة اللجلجة في جانب الولاء والبراء. قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .

وأقرب الأمرين في مخاطبة النصراني:"يا أخي... يا أخي..."أنه إلقاء المودة المحرمة إليه ضدًا على الإسلام الذي ينهى المؤمنين عن ذلك. فيقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ} إلى قوله تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .

والقرضاوي يعلن هذه المودة ولا يسر بها، والمفروض شرعًا - أقول المفروض وليس المستحب - أن تبدو العداوة والبغضاء بين المسلمين والكافرين، ولنا في ذلك الأسوة الحسنة في أب الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] ، فليتفضل القرضاوي وليظهر لنا علمه في هذا، وليقل لنا فيما؛ إذا كان النصارى يؤمنون بالله وحده، أم يؤمنون بأن الله ثالث ثلاثة، وأنه سبحانه هو المسيح ابن مريم؟ تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

النصارى كفار بالله واليوم الآخر:

إن ما نؤاخذه على القرضاوي في ما نقلناه عنه بأمانة، هو الإطلاقات التي أطلقها في النصارى من حيث وصفهم بأنهم مؤمنون و... إلى آخره، وهذه الإطلاقات من شأنها أن تُفهَم فهمًا يكتنفه كثير من الخلط، وكثير من التيه والضياع، وبالتالي تتسبب في التشويش على المؤمنين حيال هؤلاء النصارى واليهود المشركين بالله، لا سيما وأن هناك كتمانًا من طرف الشيخ من حيث ضرورة التفصيل في أنواع الكفار محاربين ومعاهدين وذميين ومستأمنين... وكيف هي الأحكام الشرعية مختلفة باختلاف هذه الأنواع من الكافرين.

فالتسامح الإسلامي الذي يدندن حوله القرضاوي ليس على إطلاقه، ولكنه مقيد ومحدود في حق أهل الذمة والعهود، بالشروط العمرية، وليس لأهل الحرب فيه نصيب، كما أن دعوته إلى ما أسماه"الحوار الإسلامي"بناء على الأرضية المشتركة المزعومة ليست دعوة سليمة ولا مستقيمة، وخاصة وهي محكومة من طرف حكومات لا علاقة لها بالإسلام البتة - حكومة إيطاليا مثلاُ - وتضم عناصر من الفقهاء هم أقرب للقوانين الوضعية الوضيعة منهم للشريعة الإسلامية.

لذا أحببت هنا تفنيد هذه الدعاوى التي أسماها القرضاوي"قواسم مشتركة بيننا وبين النصارى"، وأنها مجرد حيلة ابتدعها الكفار أنفسهم للحيلولة دون انتشار الوعي الإسلامي بضرورة إحياء فريضة الجهاد في سبيل الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ذلك لأن الجهاد وحده هو الذي يحرر بلاد المسلمين من قبضة الكافرين... حيلة سيق إليها المخدوعون، واعتمدها المنافقون.

1)قال الله عز ثناؤه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] ، وهذه الآية قرأها القرضاوي خلال جوابه، إلا أنه استشهد بها على كون النصارى كفارًا بديننا وليسوا كفارًا بالله، وهذا تحريف للقرآن وتخريف في معانيه.

فقولهم عن الله تعالى: {هُوَ الْمَسِيحُ} ؛ يفيد أنهم كفار بالله، ولا سيما باستعمال ضمير الفصل الذي يفيد الحصر، حيث وجب أن يكون الله تعالى عندهم هو المسيح ابن مريم لا غيره، وبالتالي فقوله سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ...} ؛ هو الكفر بالله لا بأي شيء آخر، وقوم بلغ بهم الكفر هذا المبلغ لا نتأدب معهم على نحو ما يهذي به القرضاوي والمهزومون من ضرورة الأدب والأخلاق وما إلى ذلك.

وانظر إلى أدب الأئمة الجهابذة أمثال الحافظ ابن كثير رحمه الله الذي قال في أثناء تفسير هذه الآية نفسها: (وهذا ردّ على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة) [تفسير القرآن العظيم: ج: 2/ص: 34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت