فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 743

52 -الْمَقْصُودُ بِتَعْجِيلِ الْجِزْيَةِ: اسْتِيفَاؤُهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ , فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعْجِلَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ أَوْ يَسْتَسْلِفَهَا ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ , إلَى جَوَازِ تَعْجِيلِهَا لِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِرِضَا أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَالْخَرَاجِ , وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دِمَائِهِمْ فَأَشْبَهَتْ الْأُجْرَةَ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إلَى عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ تَعْجِيلِهَا , وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بِرِضَا أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى الزَّكَاةِ , فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الزَّكَاةَ إلَّا بِرِضَا رَبِّ الْمَالِ , بَلْ الْجِزْيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ , لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلسُّقُوطِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ , فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمَوْتِ أَثْنَاءَ السَّنَةِ وَتَتَدَاخَلُ بِالِاجْتِمَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .

مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ :

54 -الْجِزْيَةُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الْأَئِمَّةُ وَالسَّلَاطِينُ , فَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَقِيلَ: يُقَدِّرُهَا الْإِمَامُ . وَالْإِمَامُ يَعْقِدُ الذِّمَّةَ وَيُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ بِاجْتِهَادِهِ , وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْعَدْلَ وَكِيلٌ عَنْ الْأُمَّةِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ , وَفِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:"الْأَمْوَالُ الَّتِي لِلْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فِيهَا مَدْخَلٌ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: مَا أُخِذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّطْهِيرِ لَهُمْ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ . وَالثَّانِي: الْغَنَائِمُ وَمَا يَحْصُلُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَافِرِينَ بِالْحَرْبِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ . وَالثَّالِثُ: الْفَيْءُ , وَهُوَ مَا رَجَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إيجَافٍ كَالصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ لِلْإِمَامِ , فَيُطَالِبُ بِهَا وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّفْعُ إلَيْهِ . وَالْإِمَامُ الْمُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِلًا , أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا , أَوْ بَاغِيًا , أَوْ خَارِجًا عَلَى إمَامِ الْعَدْلِ , أَوْ مُحَارِبًا وَقَاطِعًا لِلطَّرِيقِ ."

1 -حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ:

54 م - الْإِمَامُ الْعَادِلُ: هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلْإِمَامَةِ وَبَايَعُوهُ , وَقَامَ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الْأُمَّةِ وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَإِذَا طَلَبَ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ مَالًا لَا يَطْلُبُهُ إلَّا بِحَقٍّ , وَإِذَا قَسَمَ أَمْوَالًا عَامَّةً قَسَمَهَا وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ وَحَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت } وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه"إنِّي أَنْزَلْت نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } وَاَللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَّا اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا . وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إذَا طَلَبَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ إلَيْهِ , وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَفْرِقَةُ خَرَاجِ رَأْسِهِ بِنَفْسِهِ , وَإِذَا أَدَّى شَخْصٌ الْجِزْيَةَ إلَى مُسْتَحِقِّ الْفَيْءِ بِنَفْسِهِ فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُ ثَانِيَةً ; لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ ."

2 -حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت