39 -الْعُقُوبَاتُ التَّعْزِيرِيَّةُ يُقَدِّرُهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ حَسَبَ ظُرُوفِ الْجَرِيمَةِ وَالْمُجْرِمِ , فَتُطَبَّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ , وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ مُنَاسِبًا مَعَ الْجَرِيمَةِ شِدَّةً وَضَعْفًا وَمَعَ حَالَةِ الْمُجْرِمِ . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: ( تَعْزِيرٍ ) .
40 -جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الذِّمِّيِّ الْقَضَاءَ عَلَى الذِّمِّيِّينَ , وَإِنَّمَا يَخْضَعُونَ إلَى جِهَةِ الْقَضَاءِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَخْضَعُ لَهَا الْمُسْلِمُونَ . وَقَالُوا: وَأَمَّا جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِنَصْبِ حَاكِمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّمَا هِيَ رِئَاسَةٌ وَزَعَامَةٌ , لَا تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ , فَلَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهِ , بَلْ بِالْتِزَامِهِمْ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنْ حَكَمَ الذِّمِّيُّ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَازَ , فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ التَّحْكِيمُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَجَازَ تَحْكِيمُهُ بَيْنَهُمْ . إلَّا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى , وَأَمَّا تَحْكِيمُهُمْ فِي الْقِصَاصِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ .
41 -وَإِذَا رَفَعَتْ الدَّعْوَى إلَى الْقَضَاءِ الْعَامِّ يَحْكُمُ الْقَاضِي الْمُسْلِمُ فِي خُصُومَاتِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وُجُوبًا , إذَا كَانَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مُسْلِمًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ . أَمَّا إذَا كَانَ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , بِدَلِيلِ قوله تعالى: { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ: الْقَاضِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: الْحُكْمِ أَوْ الْإِعْرَاضِ بِدَلِيلِ قوله تعالى: { فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ اشْتَرَطُوا التَّرَافُعَ مِنْ قِبَلِ الْخَصْمَيْنِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى , وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُخَيَّرُ الْقَاضِي فِي النَّظَرِ فِي الدَّعْوَى أَوْ عَدَمِ النَّظَرِ فِيهَا . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: ( قَضَاءٍ ) ( وَوِلَايَةٍ ) . وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي الْمُسْلِمُ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ , لقوله تعالى: { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوك عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك } .
مَا يُنْقَضُ بِهِ عَهْدُ الذِّمَّةِ (2)
42 -يَنْتَهِي عَهْدُ الذِّمَّةِ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عُقِدَ وَسِيلَةً لِلْإِسْلَامِ , وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ . وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ الذِّمَّةِ بِلُحُوقِ الذِّمِّيِّ دَارَ الْحَرْبِ , أَوْ بِغَلَبَتِهِمْ عَلَى مَوْضِعٍ يُحَارِبُونَنَا مِنْهُ ; لِأَنَّهُمْ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا , فَيَخْلُو عَقْدُ الذِّمَّةِ عَنْ الْفَائِدَةِ , وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الْحَرْبِ . وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْجِزْيَةِ ; لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ عَنْ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا , وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعُذْرِ الْعَجْزِ الْمَالِيِّ , فَلَا يُنْقَضُ الْعَهْدُ بِالشَّكِّ .
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2508)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2509)