فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 743

8 -وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ - بَعْدَ كَوْنِهِ مَالًا - أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا . وَالتَّقَوُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ضَرْبَانِ: عُرْفِيٌّ: وَيَكُونُ بِالْإِحْرَازِ , فَغَيْرُ الْمُحْرَزِ , كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ , لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ . وَشَرْعِيٌّ: وَيَكُونُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ , وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا . فَمَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ مِنْ الْمَالِ بِهَذَا الْمَعْنَى , وَهُوَ غَيْرُ مَا كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ , يَبْطُلُ بَيْعُهُ . وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ , بِشَرْطَيْ الطَّهَارَةِ وَالنَّفْعِ , كَمَا فَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ . وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ شَرْطِ التَّقَوُّمِ هَذَا بِشَرْطِ الْمَالِيَّةِ , بِتَعْرِيفِ الْمَالِ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ , وَيُبَاحُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ . وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْحَنَابِلَةُ . فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَنْفَعَةِ , مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا: كَالْحَشَرَاتِ , وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْخَمْرِ . وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلْحَاجَةِ كَالْكَلْبِ . وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلضَّرُورَةِ , كَالْمَيْتَةِ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ .

9 -فَمِنْ أَمْثِلَةِ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ: بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ , فَإِنَّهُ فَاسِدٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَالْمَعْنَى فِيهِ هُوَ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ , وَيُلْحَقُ بِهِمَا بَاقِي نَجِسِ الْعَيْنِ , وَكَذَا كُلُّ مَا نَجَاسَتُهُ أَصْلِيَّةٌ أَوْ ذَاتِيَّةٌ وَلَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ . وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ: { إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ } . وَالْحَنَفِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَ بَيْعِ الْمَذْكُورَاتِ بِثَمَنٍ أَوْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ , فَهُوَ بَاطِلٌ . وَبَيْنَ بَيْعِهَا بِأَعْيَانٍ أَوْ عُرُوضٍ , فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فِي الْخَمْرِ , وَيَفْسُدُ فِيمَا يُقَابِلُهَا مِنْ الْعُرُوضِ وَالْأَعْيَانِ . وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ , وَلَيْسَتْ الْخَمْرُ وَنَحْوُهَا مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ , فَبَطَلَ الْبَيْعُ فِيهَا , فَكَذَا يَبْطُلُ فِي ثَمَنِهَا . أَمَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا , فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ , مَقْصُودٍ بِالتَّمَلُّكِ , وَلَكِنْ فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ , فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ دُونَ الْخَمْرِ الْمُسَمَّى . وَكَذَلِكَ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَيْعِ الْمَذْكُورَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ . وَفِي هَذَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْخِنْزِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ .

فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ , فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَبَايُعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِمَا يَلِي:

أ - أَمَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا , فَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا لَهُمْ , كَالْخَلِّ وَكَالشَّاةِ لَنَا , فَكَانَ مَالًا فِي حَقِّهِمْ , فَيَجُوزُ بَيْعُهُ . وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُشَّارِهِ بِالشَّامِ: أَنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا , وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا . وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْخَمْرِ مِنْهُمْ لَمَا أَمَرَهُمْ بِتَوْلِيَتِهِمْ الْبَيْعَ .

ب - وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: حُرْمَةُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ , لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ , وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا , فَكَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ , لَكِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ بَيْعِهَا , لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ حُرْمَتَهَا , ويَتَمَوَّلُونَهَا , وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ . فَيَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ - رحمه الله - مُعَلِّقًا عَلَى عِبَارَةِ الْكَاسَانِيِّ: وَظَاهِرُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَلَوْ بِيعَتْ بِالثَّمَنِ .

10 -وَمِنْ أَمْثِلَةِ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , الْمَيْتَةُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهَا , بَلْ مَاتَتْ بِالْخَنْقِ وَنَحْوِهِ , فَإِنَّهَا مَالٌ عِنْدَ الذِّمِّيِّ كَالْخَمْرِ . وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَنْهَا فِي شَرْطِ الْمَالِيَّةِ .

مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنْ الْبَيْعِ(1):

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 3352)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت