وَلَا أُرَاهُ يُرِيدُ غَيْرَكُمْ , وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَكُمْ يَدٌ"قَوْلُهُ: ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ . . . إلَخْ ) هَذِهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ رضوان الله عليهم لَمْ تَقَعْ لِغَيْرِهِمْ , وَالتَّرَجِّي الْمَذْكُورُ قَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ لِلْوُقُوعِ . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجَزْمِ , وَلَفْظُهُ { إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ } وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا } وَقَدْ اسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ:"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ"فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْمَاضِي: أَيْ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ لَكُمْ فَهُوَ مَغْفُورٌ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ الْعَمَلِ لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَلَقَالَ: فَسَأَغْفِرُهُ لَكُمْ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَاضِي لَمَا حَسُنَ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَاطَبَ بِهِ عُمَرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي أَمْرِ حَاطِبٍ , وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتِّ سِنِينَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَيَأْتِي , وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِهِ . وَقِيلَ إنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ:"اعْمَلُوا"لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ , فَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ مَحْوَ ذُنُوبِهِمْ السَّالِفَةِ , وَتَأَهَّلُوا لَأَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ الذُّنُوبَ اللَّاحِقَةَ إنْ وَقَعَتْ: أَيْ كُلَّ مَا عَمِلْتُمُوهُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ مِنْ أَيِّ عَمَلٍ كَانَ فَهُوَ مَغْفُورٌ . وَقِيلَ إنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ إذَا وَقَعَتْ مَغْفُورَةً , وَقِيلَ هِيَ بِشَارَةٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ , وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ مِنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ وَأَنَّ عُمَرَ حَدَّهُ , وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ إذَا وَقَعَتْ تَكُونُ مَغْفُورَةً مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ أَنَّهُ قَالَ لِحِبَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ , يَعْنِي عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا ا هـ ."
وفي منح الجليل: (1)
وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ , وَقَتْلُ عَيْنٍ , وَإِنْ أُمِّنَ وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ , وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ , وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ كقَرَابَةٍ , وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ , إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ
(1) - مختصر خليل - (ج 1 / ص 90) ومنح الجليل شرح مختصر خليل - (ج 6 / ص 34)