8 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ , كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ , وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّابِئَةُ إنْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ دِيَةَ الصَّابِئِ كَدِيَةِ النَّصْرَانِيِّ , وَمِقْدَارُهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ , وَهَذَا إنْ وَافَقَ الصَّابِئُ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَلَوْ خَالَفَهُ فِي الْفُرُوعِ , مَا لَمْ يُكَفِّرْهُ النَّصَارَى . وَلَمْ يُصَرِّحْ الْحَنَابِلَةُ بِحُكْمِهِمْ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ , لَكِنَّ مُقْتَضَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ إلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ تَكُونَ دِيَةُ الصَّابِئِ نِصْفَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ , وَفِي رِوَايَةٍ: الثُّلُثَ . وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ إلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ نَجِدْ لَدَيْهِمْ التَّصْرِيحَ بِمِقْدَارِ دِيَاتِ الصَّابِئَةِ , وَحَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُمْ كَالنَّصَارَى فِي الذَّبَائِحِ وَنَحْوِهَا , فَلِذَا يَظْهَرُ أَنَّ دِيَاتِهِمْ كَدِيَةِ الْمَجُوسِ , وَهِيَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ , وَأَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلْمَرْأَةِ .
حُكْمُ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ , وَحُكْمُ تَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ:
9 -ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ: لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ , وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَائِهِمْ , بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ , وَإِنَّمَا يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَعْبَةِ . وَقَالَ صَاحِبَاهُ: هُمْ مِنْ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُشْرِكِينَ , فَلَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ , فَلَوْ اتَّفَقَ عَلَى تَفْسِيرِهِمْ اتَّفَقَ الْحُكْمُ فِيهِمْ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ لِشِدَّةِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلنَّصَارَى . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ خَالَفَ الصَّابِئَةُ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ ( أَيْ الْإِيمَانِ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ ) حَرُمَتْ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , أَمَّا إنْ لَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَا تَحْرُمُ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَيْنَا , مَا لَمْ تُكَفِّرْهُمْ النَّصَارَى , فَإِنْ كَفَّرَهُمْ النَّصَارَى حَرُمَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ , كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ ذَبِيحَةُ الْمُبْتَدِعِ إنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ مُكَفِّرَةً . وَهَذَا الْحُكْمُ الْمُتَرَدَّدُ فِيهِ هُوَ غَيْرُ الصَّابِئَةِ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ , وَهُمْ الْحَرَّانِيَّةُ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَجْزُومٌ بِكُفْرِهِمْ ; فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا , وَلَا يَجْرِي فِيهِمْ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ . وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الصَّابِئَةُ مِنْ الْيَهُودِ , وَفِي أُخْرَى: هُمْ مِنْ النَّصَارَى . فَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ: يَجُوزُ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ ; فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .
وَقْفُ الصَّابِئَةِ:
10 -قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الصَّابِئَةُ إنْ كَانُوا دَهْرِيَّةً أَيْ: يَقُولُونَ: { مَا يُهْلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ } فَهُمْ صِنْفٌ مِنْ الزَّنَادِقَةِ , وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ صَحَّ مِنْ أَوْقَافِهِمْ مَا يَصِحُّ مِنْ أَوْقَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ فَيَصِحُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا عَلَى بِيَعِهِمْ مَثَلًا
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 9431)