و هو مما لا يشك فيه مسلم و من شك فيه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه
و إذا كان العقد لا يجوز عليه كان منافيا للعقد و من خالف شرطا مخالفة تنافي ابتداء العقد فإن عقده ينفسخ بذلك بلا ريب كأحد الزوجين إذا أحدث دينا يمنع ابتداء العقد ـ مثل ارتداد المسلم أو إسلام المرأة تحت الكافر ـ فإن العقد ينفسخ بذلك: إما في الحال أو عقب انقضاء العدة أو بعد عرض القاضي كما هو مقرر في مواضعه
فإحداث أهل الذمة الطعن في الدين مخالفة لموجب العقد مخالفة تنافي ابتداءه فيجب انفساخ عقدهم بها و هذا بين لمن تأمله و هو يوجب انفساخ العقد بما ذكرناه عند جميع الفقهاء و تبين أن ذلك هو مقتضى قياس الأصول
و اعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها من جهة المعنى في الذمي فأما المسلم إذا سب فلم يحتج أن يذكر فيه شيئا من جهة المعنى لظهور ذلك في حقه و لكون المحل محل وفاق و لكن سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ تحقيق الأمر فيه هل سبه ردة محضة كسائر الردد عن زيادة مغلظة أو هو نوع من الردة متغلظ عل كل حال ؟ و هل يقتل للسب مع الحكم بإسلامه أم لا ؟ و الله سبحانه أعلم فإن قيل: فقد قال تعالى: { لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فان ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران: 186 ] فأخبر أنا نسمع منهم الأذى الكثير و دعانا إلى الصبر على أذاهم و إنما يؤذينا أذى عاما الطعن في الله و دينه و رسوله و قوله تعالى: { لن يضركم إلا أذى } [ آل عمران: 111 ] من هذا الباب
قلنا أولا: ليس في الأية بيان أن ذلك مسموع من أهل الذمة و العهد و إنما هو مسموع في الجملة من الكفار
و ثانيا إن الأمر بالصبر على أذاهم و بتقوى الله لا يمنع قتالهم عند المكنة و إقامة حد الله عليهم عند القدرة فإنه لا خلاف بين المسلمين أنا إذا سمعنا مشركا أو كتابيا يؤذي الله و رسوله فلا عهد بيننا و بينه [ بل ] وجب علينا إن نقاتله و نجاهده إذا أمكن ذلك
خروج أهل الذمة من دار الإسلام لدار الحرب (1)
القسم الثاني: إذا لم يكن ممتنعا عن حكم الإمام فمذهب أبي حنيفة أن مثل هذا لا يكون ناقضا للعهد و لا ينقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة و منعة و يمتنعوا بذلك عن الإمام و لا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم أو تخلفوا بدار الحرب لأنهم إذا لم يكونوا ممتنعين أمكن الإمام أن يقيم عليهم الحدود و يستوفي منهم الحقوق فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابته كمن خرج عن طاعة الإمام من أهل البغي و لم تكن له شوكة
و قال الإمام مالك: [ لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ناقضين للعهد و منعا للجزية و امتنعوا منا من غير أن يظلموا أو يلحقوا بدار الحرب فقد انتقض عهدهم ] لكن يقتل عنده الساب و المستكره للمسلمة على الزنى و غيرهما
و أما مذهب الإمام الشافعي و الإمام أحمد فإنهم قسموا الأمور المتعلقة بذلك قسمين أحدهما: يجب عليهم فعله و الثاني: يجب عليهم تركه
فأما الأول فإنهم قالوا: إذا امتنع الذمي مما يجب عليه فعله ـ و هو أداء الجزية أو جريان أحكام الملة عليه إذا حكم بها حاكم المسليمين ـ انتقض العهد بلا تردد قا ل الإمام أحمد في الذي يمنع الجزية: إن كان واحدا أكره عليها و أخذت منه و لم يعطيها ضربت عنقه و ذلك لأن تعالى أمر بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون و الإعطاء له مبتدأ و تمام فمبتدأه الألتزام و الضمان و منتهاه الأداء و الإعطاء و من الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم فمتى لم يتموا إعطاء الجزية أو أعطوها و ليسوا بصاغرين فقد زالت الغاية التي أمرنا بقتالهم إليها فيعود القتال و لأن حقن دمائهم إنما ثبت ببذل الجزية و التزام جريان أحكام الإسلام عليهم فمتى امتنعوا منه و أتوا بضده صاروا كالمسلم الذي ثبت حقن دمه بالإسلام إذا امتنع منه و اتى بكلمة الكفر
و على ما ذكره الإمام أحمد فلابد أن يمتنع من ذلك على وجه لا يمكن استيفاؤه منه مثل أن يمتنع من حق بدني لا يمكن فعله و النيابة عنه دائما أو يمتنع من أداء الجزية و لعيب ماله كما قلنا في المسلم إذا امتنع من الصلاة أو الزكاة فأما إن قاتل الإمام على ذلك فذلك هو الغاية في انتقاض العهد كمن قاتل على ترك الصلاة أو الزكاة
أما القسم الثاني ـ و هو ما يجب عليهم تركه ـ فنوعان:
أحدهما ما فيه ضرر على المسلمين و الثاني ما لا ضرر فيه عليهم و الأول قسمان أيضا:
أحدهما ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم و أموالهم: مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق على المسلمين أو يعين على قتال المسلمين أو يتجسس للعدو بمكاتبة أو كلام أو إيواء عين من عيونهم أو يزني بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح
و القسم الثاني ما فيه أذى و غضاضة عليهم: مثل أن يذكر الله أو كتابه و رسوله أو دينه بالسوء
و النوع الثاني ما لا ضرر فيه عليهم: مثل إظهار أصواتهم بشعائر دينهم من الناقوس و الكتاب و نحو ذلك و مثل المسلمين في هيآتهم و نحو ذلك و قد تقدم القول في انتقاض العهد بكل واحد من هذه الأقسام فإذا نقض الذمي العهد ببعضها و هو في قبضة الإسلام ـ مثل أن يزني بمسلمة أو يتجسس للكفار ـ فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يقتل قال في رواية حنبل: [ كل من نقض العهد أو أحداث في الإسلام حدثا مثل هذا ـ يعني سب النبي صلى الله عليه و سلم ـ رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد و الذمة ]
(1) - الصارم المسلول - (ج 1 / ص 272)