فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 743

وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: (فإن أعرضوا فقل:أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) . . فقام مذعورا فوضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:أنشدك الله والرحم يا محمد ! وذلك مخافة أن يقع النذير . وقام إلى القوم فقال ما قال !

وعلى أية حال فهذه صورة أخرى من صور المساومة . وهي كذلك صورة من صور الخلق العظيم . تبدو في أدبه صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى عتبة حتى يفرغ من قوله الفارغ الذي لا يستحق الانتباه من مثل محمد صلى الله عليه وسلم في تصوره لقيم هذا الكون , وفي ميزانه للحق ولعرض هذه الأرض . ولكن خلقه يمسك به لا يقاطع ولا يتعجل ولا يغضب ولا يضجر , حتى يفرغ الرجل من مقالته , وهو مقبل عليه . ثم يقول في هدوء:"أقد فرغت يا أبا الوليد ?"زيادة في الإملاء والتوكيد . إنها الطمأنينة الصادقة للحق مع الأدب الرفيع في الاستماع والحديث . .

وهما معا بعض دلالة الخلق العظيم .

وصورة ثالثة للمساومة فيما رواه ابن اسحق قال:"واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى والوليد بن المغيرة , وأمية بن خلف , والعاص بن وائل السهمي . وكانوا ذوي أسنان في قومهم . فقالوا:يا محمد , هلم فلنعبد ما تعبد , وتعبد ما نعبد , فنشترك نحن وأنت في الأمر . فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه , وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ! فأنزل الله تعالى فيهم: (قل:يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون) :السورة كلها . ."

وحسم الله المساومة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة . وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره ربه أن يقول . . . ( الظلال)

وقال تعالى:

{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) سورة الكافرون }

إنها مفاصلة كاملة شاملة , وتميز واضح دقيق . .

ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل , الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق . الاختلاف في جوهر الاعتقاد , وأصل التصور , وحقيقة المنهج , وطبيعة الطريق .

إن التوحيد منهج , والشرك منهج آخر . . ولا يلتقيان . .

التوحيد منهج يتجه بالإنسان - مع الوجود كله - إلى الله وحده لا شريك له . ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان , عقيدته وشريعته , وقيمه وموازينه , وآدابه وأخلاقه , وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود . هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله , الله وحده بلا شريك . ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس . غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية . . وهي تسير . .

وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية . وضرورية للمدعوين . .

إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان , وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها . وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف . أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلا . ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى ! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها , قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد . .

وهذا الإغراء في منتهى الخطورة !

إن الجاهلية جاهلية , والإسلام إسلام . والفارق بينهما بعيد . والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته . هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه .

وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية:تصورا ومنهجا وعملا . الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق . والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام .

لا ترقيع . ولا أنصاف حلول . ولا التقاء في منتصف الطريق . .

مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام , أو ادعت هذا العنوان !

وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس . شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء . لهم دينهم وله دينه , لهم طريقهم وله طريقه . لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم . ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو , بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير !

وإلا فهي البراءة الكاملة , والمفاصلة التامة , والحسم الصريح . . (لكم دينكم ولي دين) . .

وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم . . ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة , وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة , ثم طال عليهم الأمد (فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) . .

وأنه ليس هناك أنصاف حلول , ولا التقاء في منتصف الطريق ,

ولا إصلاح عيوب , ولا ترقيع مناهج . . إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان , الدعوة بين الجاهلية . والتميز الكامل عن الجاهلية . .

(لكم دينكم ولي دين) . . وهذا هو ديني:التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه , وعقيدته وشريعته . . كلها من الله . .

دون شريك . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت