""ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه:يظهر دين الله , ويدعو إليه . ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذامروا فيه . وحض بعضهم بعضا عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى . فقالوا له:يا أبا طالب , إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ; وإنا والله لا نصبر على هذا:من شتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وعيب آلهتنا , حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالواله . . ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه . قال ابن إسحق:وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس , أنه حدث , أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:يا بن أخي . إن قومك قد جاءوني فقالوا لي:كذا وكذا"للذي كانوا قالوا له"فأبق علي وعلى نفسك , ولا تحملني من الأمر مالا أطيق . قال:فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء , وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". . قال:واستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى . ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:أقبل يا بن أخي . قال:فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت , فوالله لا أسلمك لشيء أبدا"."
فهذه صورة من إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه . حاميه وكافيه , وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه !
هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها , ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها . . .
جديدة جدة هذه العقيدة , رائعة روعة هذه العقيدة , قوية قوة هذه العقيدة . فيها مصداق قول الله العظيم: (وإنك لعلى خلق عظيم) .
وصورة أخرى رواها كذلك ابن إسحق , كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إذ أعياهم أمره , ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه .
قال ابن إسحق:وحدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا , قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش . ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? وذلك حين أسلم حمزة , ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون . فقالوا:يا أبا الوليد قم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا بن أخي . إنك منا حيث علمت:من السطة في العشيرة والمكان في النسب , وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت به أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قل يا أبا الوليد أسمع". . قال:يا بن أخي . إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت إنما تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك . وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ! - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:"أقد فرغت يا أبا الوليد ?"قال:نعم . قال:"فاستمع مني". قال:أفعل . فقال: بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب , فاعمل إننا عاملون . قل:إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين . . .) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه . فلما سمعها منه عتبة أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه . ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد . ثم قال ."قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت . فأنت وذاك". . فقام عتبة إلى أصحابه , فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد ? قال:ورائي أنني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط , والله ما هو بالشعر , ولا بالسحر , ولا بالكهانة , يا معشر قريش أطيعوني , واجعلوها بي , وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه , فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم . فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم . وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به . قالوا:سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال:هذا رأيي فيه , فاصنعوا ما بدا لكم . .