فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 743

يسعى بذمتهم أدناهم , فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد , ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم , ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول:إن عبدا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر:إن الله عظم الوفاء , فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . .

فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . .

وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

(ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم , نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) . .

وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه . فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم , أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه , وأن ينصروه ويحترموه . فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم , خاسوا بذلك العهد , ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم , يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم , والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه , والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضا !

وفي الآية ما فيها من سخرية خفية , يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوما !

ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب . هم الذين عرفوا الرسالات والرسل . هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور . .

وماذا صنعوا ? إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم !

والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به , وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم . ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس ; ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة , تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا , ينضح بالكنود والجحود , ويتسم بالغلظة والحماقة , ويفيض بسوء الأدب والقحة ; ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة . حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور . . (الظلال)

قال تعالى: ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة:8)

إن المشركين لا يدينون لله بالعبودية خالصة , وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله . فكيف يجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند الله وعند رسوله ?

إنهم لا يواجهون بالإنكار والجحود عبدا مثلهم , ولا منهجا من مناهج العبيد من أمثالهم . إنما هم يواجهون بالجحود خالقهم ورازقهم ; وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود إبتداء . .

فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ?

هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكارى . .

وهي قضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته ; لا على حالة معينة من حالاته . .

وقد يستشكل على هذا بأنه كانت للمشركين عهود فعلا ; وبعض هذه العهود أمر الله بالوفاء بها . وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة . عهود مع اليهود وعهود مع المشركين . وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة . وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود ; وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة . .

فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد عليه الإنكار هنا , فكيف إذن أبيحت تلك العهود وقامت حتى نزل هذا الاستنكار الأخير لمبدأ التعاهد ?!

وهذا الاستشكال لا معنى له في ظل الفهم الصحيح لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي الذي أسلفنا الحديث عنه في مطالع هذه السورة وفي مطالع سورة الأنفال قبلها . . لقد كانت تلك المعاهدات مواجهة للواقع في حينه بوسائل مكافئة له ; أما الحكم النهائي فهو أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله . . كانت أحكاما مرحلية في طريق الحركة الإسلامية التي تستهدف ابتداء ألا يكون في الأرض شرك بالله ; وأن تكون الدينونة لله وحده . .

ولقد أعلن الإسلام هدفه هذا منذ أول يوم ولم يخدع عنه أحدا . فإذا كانت الظروف الواقعية تقضي بأن يدع من يسالمونه ابتداء من المشركين ليتفرغ لمن يهاجمونه ; وأن يوادع من يريدون موادعته في فترة من الفترات . وأن يعاهد من يريدون معاهدته في مرحلة من المراحل . فإنه لا يغفل لحظة عن هدفه النهائي الأخير ; كما أنه لا يغفل عن أن هذه الموادعات والمعاهدات من جانب بعض المشركين موقوتة من جانبهم هم أنفسهم . وأنهم لابد مهاجموه ومحاربوه ذات يوم ; وأنهم لن يتركوه وهم يستيقنون من هدفه ; ولن يأمنوه على أنفسهم إلا ريثما يستعدون له ويستديرون لمواجهته . .

ولقد قال الله للمسلمين منذ أول الأمر: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) . . وهي قولة الأبد التي لا تتخصص بزمن ولا بيئة !

وقولة الحق التي لا تتعلق بظرف ولا حالة !

ومع استنكار الأصل , فقد أذن الله - سبحانه - بإتمام عهود ذوي العهود . الذين لم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا إلى مدتها , مع اشتراط أن تكون الاستقامة على العهد - في هذه المدة - من المسلمين مقيدة باستقامة ذوي العهود عليها: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام , فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم , إن الله يحب المتقين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت