وهؤلاء الذين تشير الآية إلى معاهدتهم عند المسجد الحرام ليسوا طائفة أخرى غير التي ورد ذكرها من قبل في قوله تعالى:
(إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم , إن الله يحب المتقين) . .
كما فهم بعض المفسرين المحدثين . .
فهي طائفة واحدة ذكرت أول مرة بمناسبة عموم البراءة وإطلاقها , لاستثنائها من هذا العموم . وذكرت مرة ثانية بمناسبة استنكار مبدأ التعاهد ذاته مع المشركين مخافة أن يظن أن هذا الحكم المطلق فيه نسخ للحكم الأول . .
وذكرت التقوى وحب الله للمتقين هنا وهناك بنصها للدلالة على أن الموضوع واحد . كما أن النص الثاني مكمل للشروط المذكورة في النص الأول . ففي الأول اشتراط استقامتهم في الماضي , وفي الثاني اشتراط استقامتهم في المستقبل . وهي دقة بالغة في صياغة النصوص - كما أسلفنا - لا تلحظ إلا بضم النصين الواردين في الموضوع الواحد , كما هو ظاهر ومتعين .
ثم يعود لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية ; بعد استنكاره بأسبابه العقيدية والإيمانية ; ويجمع بين هذه وتلك في الآيات التالية:
(كيف ? وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة , يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون , اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله , إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة , وأولئك هم المعتدون) . .
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله , وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم . ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم , وفي غير ذمة يرعونها لكم ; أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم !
فهم لا يرعون عهدا , ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم ; ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها . فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم , لو أنهم قدروا عليكم . مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة . فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود ; إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم ! . .
وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد . فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد ; وتأبى أن تقيم على العهد ; فما بهم من وفاء لكم ولا ود !
(وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله . إنهم ساء ما كانوا يعملون) .
وهذا هو السبب الأصيل لهذا الحقد الدفين عليكم , وإضمار عدم الوفاء بعهودكم , والانطلاق في التنكيل بكم - لو قدروا - من كل تحرج ومن كل تذمم . .
إنه الفسوق عن دين الله , والخروج عن هداه , فلقد آثروا على آيات الله التي جاءتهم ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا يستمسكون به ويخافون فوته . وقد كانوا يخافون أن يضيع عليهم الإسلام شيئا من مصالحهم ; أو أن يكلفهم شيئا من أموالهم ! فصدوا عن سبيل الله بسبب شرائهم هذا الثمن القليل بآيات الله . صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم [ فسيجيء أنهم أئمة الكفر ] . .
أما فعلهم هذا فهو الفعل السيء الذي يقرر الله سوءه الأصيل: (إنهم ساء ما كانوا يعملون !) . .
ثم إنهم لا يضمرون هذا الحقد لأشخاصكم ; ولا يتبعون تلك الخطة المنكرة معكم بذواتكم . .
إنهم يضطغنون الحقد لكل مؤمن ; ويتبعون هذا المنكر مع كل مسلم . .
إنهم يوجهون حقدهم وانتقامهم لهذه الصفة التي أنتم عليها . .
للإيمان ذاته .
.كما هو المعهود في كل أعداء الصفوة الخالصة من أهل هذا الدين , على مدار التاريخ والقرون . . فكذلك قال السحرة لفرعون وهو يتوعدهم بأشد أنواع التعذيب والتنكيل والتقتيل: (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) . . وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب بتوجيه من ربه: (قل:يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ?) وقال سبحانه عن أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) . فالإيمان هو سبب النقمة , ومن ثم هم يضطغنون الحقد لكل مؤمن , ولا يراعون فيه عهدا ولا يتذممون من منكر: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة , وأولئك هم المعتدون . .
فصفة الاعتداء أصيلة فيهم . .
تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ذاته وصدودهم عنه ; وتنتهي بالوقوف في وجهه ; وتربصهم بالمؤمنين ; وعدم مراعاتهم لعهد معهم ولا صلة ; إذا هم ظهروا عليهم ; وأمنوا بأسهم وقوتهم . وعندئذ يفعلون بهم الأفاعيل غير مراعين لعهد قائم , ولا متحرجين ولا متذممين من منكر يأتونه معهم . . وهم آمنون . . !
ثم يبين الله كيف يقابل المؤمنون هذه الحال الواقعة من المشركين:
(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين , ونفصل الآيات لقوم يعلمون . وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) . .
إن المسلمين يواجهون أعداء يتربصون بهم ; ولا يقعد هؤلاء الأعداء عن الفتك بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك . لا يقعدهم عهد معقود , ولا ذمة مرعية , ولا تحرج من مذمة , ولا إبقاء على صلة . .
ووراء هذا التقرير تاريخ طويل , يشهد كله بأن هذا هو الخط الأصيل الذي لا ينحرف إلا لطارئ زائل , ثم يعود فيأخذ طريقه المرسوم !