5 -يَجُوزُ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُبْرِمَ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ , عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ , وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ , وَدَلِيلُ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ أَنْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِمَامِ , وَالْمُرَادُ بِالْتِزَامِ الْأَحْكَامِ: قَبُولُ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ , وَأَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ , وَالْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ: الْتِزَامُهُ وَالْإِجَابَةُ إلَى بَذْلِهِ , لَا حَقِيقَةَ الْإِعْطَاءِ وَلَا جَرَيَانَ الْأَحْكَامِ فِعْلًا , وَبِالْعَقْدِ تُعْصَمُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ كَالْخَلَفِ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي إفَادَةِ الْعِصْمَةِ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إذَا طَلَبَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَقْدَ الذِّمَّةِ , وَكَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ , وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ . وَلِتَفْصِيلِ أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ , وَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ , وَمِقْدَارُ الْجِزْيَةِ , وَعَلَى مَنْ تُفْرَضُ , وَبِمَ تَسْقُطُ , وَمَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَقْدُ الذِّمَّةِ يُرْجَعُ إلَى مُصْطَلَحِ ( أَهْلِ الذِّمَّةِ ) ( وَجِزْيَةٌ ) .
10 -قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُقَاتَلَةِ جَمِيعِ الْكُفَّارِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ , وَخَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ لِتَعَاظُمِ مَسْئُولِيَّتِهِمْ ; لِمَا أُوتُوا مِنْ كُتُبٍ سَمَاوِيَّةٍ , وَلِكَوْنِهِمْ عَالِمِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ , وَخُصُوصًا ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمِلَّتِهِ وَأُمَّتِهِ , فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ تَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ , وَعَظُمَتْ مِنْهُمْ الْجَرِيمَةُ , فَنَبَّهَ عَلَى مَحَلِّهِمْ , ثُمَّ جَعَلَ لِلْقِتَالِ غَايَةً , وَهِيَ إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ بَدَلًا مِنْ الْقَتْلِ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إذَا طَلَبُوا الْكَفَّ عَنْ الْقِتَالِ , لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي ( أَهْلِ الْحَرْبِ , وَأَهْلِ الذِّمَّةِ , وَجِزْيَةٍ ) . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ غَيْرِهِمْ , وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَأْتِي مِنْ مَرْوَ لِغَزْوِ الرُّومِ , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ: هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ خَلَّادٍ: إنَّ ابْنَك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ , قَالَتْ: وَلَمْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ } .
تَرْكُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا يَدِينُونَ:
12 -إنْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَهْلَ ذِمَّةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَغَرَامَاتِ الْمُتْلِفَاتِ , وَيُتْرَكُونَ وَمَا يَدِينُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَقَائِدِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ بِشُرُوطٍ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ ( أَهْلِ الذِّمَّةِ ) .
هـ - عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ , أَوْ مِيثَاقُهُ , أَوْ ذِمَّتُهُ:
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2517)