فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 743

قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِزْيَةَ - بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - إلَى أَقْسَامٍ , فَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ رِضَا الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَعَدَمِ رِضَاهُ - إلَى صُلْحِيَّةٍ وَعَنْوِيَّةٍ . وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا: هَلْ تَكُونُ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الذِّمِّيُّ ؟ إلَى جِزْيَةِ رُءُوسٍ وَجِزْيَةٍ عُشْرِيَّةٍ . وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَوْصَافِهِمْ وَعَدَمِ النَّظَرِ إلَيْهَا - إلَى جِزْيَةِ أَشْخَاصٍ , وَجِزْيَةِ طَبَقَاتٍ أَوْ أَوْصَافٍ . أَوَّلًا - الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ وَالْعَنْوِيَّةُ:

16 -صَرَّحَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ , وَلَا يَرِدُ هَذَا التَّقْسِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ . فَالْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ . وَعَرَّفَهَا الْعَدَوِيُّ بِأَنَّهَا: مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ قَبْلَ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَيْهِ أَدَاءَهُ مُقَابِلَ إبْقَائِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَيُمَثَّلُ لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ , وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ عُمَرَ رضي الله عنه لِأَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ: فَهِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً بِدُونِ رِضَاهُمْ , فَيَضَعُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ . وَقَدْ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا:"مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لِأَمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ , وَيُمَثَّلُ لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا فَرَضَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ"

الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَالْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ :

17 -تَفْتَرِقُ الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَنْ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ وَهِيَ:

1 -الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ تُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الصُّلْحِ مِنْ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ طَلَبُوا بِاخْتِيَارِهِمْ وَرِضَاهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُصَالَحَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ . أَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ . 2 - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ مُحَدَّدَةُ الْمِقْدَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ . أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ .

3 -الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ كَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالذُّكُورَةِ أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ , فَإِذَا صَالَحَ الْإِمَامُ أَهْلَ بَلَدٍ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ أَوْلَادِهِمْ الصِّغَارِ , وَعَنْ النِّسَاءِ جَازَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ .

4 -الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الْأَشْخَاصِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَى الْأَمْوَالِ , أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ عَلَى الْأَمْوَالِ كَمَا تُضْرَبُ عَلَى الْأَشْخَاصِ , فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى الْمَاشِيَةِ وَأَرْبَاحِ الْمِهَنِ الْحُرَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .

5 -الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الْأَشْخَاصِ تَفْصِيلًا وَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ إجْمَالًا , أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا , فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كُلَّ سَنَةٍ , كَالصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلِ نَجْرَانَ , فَقَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي السَّنَةِ .

ثَانِيًا - جِزْيَةُ الرُّءُوسِ , وَالْجِزْيَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت