فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 743

وفصّل ابن رشدٍ فقال: إنّ وقف الكافر على الكنيسة باطل لأنّه معصية , أمّا الوقف على مرمّتها أو على الجرحى أو المرضى الّذين فيها فالوقف صحيح معمول به .

وهناك قول ثالث قال به عياض وهو: أنّ الوقف على الكنيسة مطلقًا صحيح غير لازمٍ , سواء أشهدوا على ذلك أم لا , وسواء خرج الموقوف من تحت يد الواقف أم لا .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يصح الوقف على الكنائس الّتي للتّعبد , ولو كان الوقف من ذمّيٍّ , وسواء فيه إنشاء الكنائس وترميمها , منعنا التّرميم أو لم نمنعه , لأنّه إعانة على المعصية , وكذلك لا يجوز الوقف على حصرها , أو الوقود بها أو على ذمّيٍّ خادمٍ لكنيسة للتّعبد .

ويجوز الوقف على كنيسةٍ تنزلها المارّة , أو موقوفة على قومٍ يسكنونها .

وقال الحنابلة: لا يصح الوقف على كنائس وبيوت نارٍ , وصوامع , وديورةٍ ومصالحها كقناديلها وفرشها ووقودها وسدنتها , لأنّه معونة على معصيةٍ ولو كان الوقف من ذمّيٍّ . ويصح الوقف على من ينزلها من مارٍّ ومجتازٍ بها فقط , لأنّ الوقف عليهم لا على البقعة , والصّدقة عليهم جائزة .

الوصيّة لبناء المعابد وتعميرها:

33 -اختلف الفقهاء في جواز الوصيّة لبناء الكنيسة أو تعميرها أو نحوهما على أقوالٍ كما يلي:

ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أوصى الذّمّي أن تبنى داره بيعةً أو كنيسةً فإذا كانت الوصيّة لمعيّنين أي: معلومين يحصى عددهم فهو جائز من الثلث اتّفاقًا بينهم , لأنّ الوصيّة فيها معنى الاستخلاف ومعنى التّمليك , وللذّمّيّ ولاية ذلك فأمكن تصحيحه على اعتبار المعنيين , ولكن لا يلزمهم جعلها كنيسةً ويجعل تمليكًا , ولهم أن يصنعوا به ما شاءوا .

وأمّا إن أوصى لقوم غير مسمّين صحّت الوصيّة عند أبي حنيفة , لأنّهم يتركون وما يدينون , فتصح لأنّ هذا قربة في اعتقادهم , ولا يصح عند الصّاحبين , لأنّه معصية , والوصيّة بالمعاصي لا تصح لما في تنفيذها من تقريرها .

وهذا الخلاف فيما إذا أوصى ببناء بيعةٍ أو كنيسةٍ في القرى , فأمّا في المصر فلا يجوز بالاتّفاق بينهم , لأنّهم لا يمكّنون من إحداث ذلك في الأمصار .

وقال المالكيّة: إن أوصى نصراني بماله لكنيسة ولا وارث له دفع الثلث إلى الأسقف يجعله حيث ذكره , والثلثان للمسلمين .

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تصح الوصيّة لكنيسة ولا لحصرها , ولا لقناديلها ونحوه , ولا لبيت نارٍ ولا لبيعة ولا صومعةٍ ولا لدير ولا لإصلاحها وشغلها وخدمتها , ولا لعمارتها ولو من ذمّيٍّ , لأنّ ذلك إعانة على معصيةٍ , ولأنّ المقصود من شرع الوصيّة تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان , فلا يجوز أن تكون في جهة معصيةٍ .

وقيّد الشّافعيّة عدم جواز الوصيّة بما إذا كانت الكنيسة للتّعبد فيها , بخلاف الكنيسة الّتي تنزلها المارّة أو موقوفةً على قومٍ يسكنونها , أو جعل كراءها للنّصارى أو للمسلمين جازت الوصيّة , لأنّه ليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتّخذ لمصلّى النّصارى الّذين اجتماعهم فيها على الشّرك .

قال النّووي: وعدوا من الوصيّة بالمعصية ما إذا أوصى لدهن سراج الكنيسة , لكن قيّد الشّيخ أبو حامدٍ: المنع بما إذا قصد تعظيم الكنيسة , أمّا إذا قصد تعظيم المقيمين أو المجاورين بضوئها فالوصيّة جائزة , كما لو أوصى بشيء لأهل الذّمّة .

حكم المعابد بعد انتقاض العهد:

34 -قال ابن القيّم: متى انتقض عهد أهل الذّمّة جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلًا عن كنائس العنوة , كما أخذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان لقريظة والنّضير لمّا نقضوا العهد , فإنّ ناقض العهد أسوأ حالًا من المحارب الأصليّ , ولذلك لو انقرض أهل مصرٍ من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم فإنّه يصير جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئًا للمسلمين .

المفارقة في النّكاح(1):

تقع المفارقة في النّكاح لأسباب منها:

أوّلًا: الجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ:

16 -لا يجوز للمسلم الحرّ أن يجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ في وقتٍ واحدٍ لقول اللّه تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } , فإذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع زوجاتٍ أسلمن معه وجب عليه مفارقة ما زاد على الأربع , وهذا باتّفاق الفقهاء .

واستدلوا على ذلك بما رواه عبد اللّه بن عمر: « أنّ غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع نسوةٍ فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعًا » .

وتختلف كيفيّة المفارقة بين من كان كافرًا وكان في عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ ثمّ أسلم وأسلمن معه , وبين المسلم الّذي يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ في وقتٍ واحدٍ . فمن كان كافرًا وأسلم وفي عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ وأسلمن معه فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه لا يشترط فيمن يفارقهنّ أو يختارهنّ ترتب عقودهنّ فسواء تزوّجهنّ في عقدٍ واحدٍ أو عقودٍ متفرّقةٍ وسواء كان من فارقهنّ أو اختارهنّ أوائل في العقد أو أواخر , ووجه ذلك كما قال الإمام الشّافعي والقرافي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من أسلم على أكثر من أربعٍ أن يفارق ما زاد على الأربع وأطلق الحكم ولم يستفصل عن كيفيّة نكاحهنّ , وترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال منزّل منزلة العموم في المقال ولولا أنّ الحكم يعم الحالين لما أطلق ذلك .

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 14267)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت