أولى إذ ربما يفسد الماء على حكم دينه بحيث لا يشعر به . ودخول الكافرة الحمام الذي فيه المسلمات من غير خلاف غيار يخرج على الخلاف الذي ذكرناه . وكان شيخي رحمه الله تعالى يقول لا يمنع أهل الذمة من ركوب جنس الخيل فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغا إذا ركبه واحد منهم لم أر للأصحاب فيه منعا ولعلهم نظروا إلى الجنس ومن الكلام الشائع ركوب الحمار ذل وركوب الخيل عز انتهى . وقد قال الشافعي ولا يركبوا أصلا فرسا وإنما يركبون البغال والحمير . قال أصحابه فتمنع أهل الذمة من ركوب الفرس إذ في ركوبها الفضيلة العظيمة والغزاوي مراكب المجاهدين في سبيل الله الذين يحمون حوزة الإسلام ويذبون عن دين الله . قال تعالى ( ^ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) فجعل رباط الخيل لأجل إرهاب الكفار فلا يجوز أن يمكنوا من ركوبها إذ فيه إرهاب المسلمين . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم وأهل الجهاد هم أهل الخيل والخير لاستعمالهم الخيل في الجهاد فهم أحق بركوب ما عقد الخير بنواصيها من المراكب . وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما إن الخيل كانت وحشا في البراري وأول من أنسها وركبها إسماعيل بن إبراهيم فهي من مراكب بني إسماعيل وبها أقاموا دين الحنيفية وعليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداء الله وعليها فتح الصحابة الفتوح ونصروا الإسلام فما لأعداء الله الذين ضربت عليهم الذلة ولركوبها . وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تعزوهم وقد أذلهم الله ولا تقربوهم وقد أقصاهم .
يمنع أهل الذمة من تقلد السيوف لما بين كونهم أهل ذمة وكونهم يتقلدون السيوف من التضاد فإن السيوف عز لأهلها وسلطان وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عز الإسلام وظهر في مشارق الأرض ومغاربها . قال تعالى ( ^ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) وهو قضيب الأدب وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة بيده قضيب الأدب فبعث الله رسوله ليقهر به أعداءه ومن خالف أمره فالسيف من أعظم ما يعتمد في الحرب عليه ويرهب به العدو وبه ينصر الدين ويذل الله الكافرين والذمي ليس من أهل حمله والعز به . وكذلك يمنع أهل الذمة من اتخاذ السلاح وحملها على اختلاف أجناسها كالقوس والنشاب والرمح وما يبقى بأسه ولو مكنوا من هذا لأفضى إلى اجتماعهم على قتال المسلمين وحرابهم . قال أبو القاسم الطبري ومن جرت عادته بالركوب منهم من دهاقينهم ونحوهم فإنه يجوز له الركوب إذا أذن له الإمام فيركب البغلة والحمار على إكاف من غير لجام ولا حكمه ولا سفر ولا مركب محلى ذهبا وفضة كما سن أمير المؤمنين رضي الله عنه لهم حيث قالوا ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم .
قال عبدالعزيز ثنا القاسم ثنا النضر بن إسماعيل عن عبدالرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس قال قال عمر أكتب بأمرنا يا يرفأ إلى أهل الأمصار في أهل الكتاب أن تجز نواصيهم وأن يربطوا الكستيجان في أوساطهم ليعرف زيهم من زي أهل الإسلام .
وذكر يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن أسلم أن عمر كتب إلى أمراء الأمصار أن يأمروا أهل الذمة أن يختم على أعناقهم . وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى الشام أن يشد النصارى مناطقهم ويجزوا نواصيهم . قال أبو القاسم ويجب على الإمام أن يأمر أهل الذمة بالغيار في دار الإسلام ويلزمهم أن يغيروا في الملبس والمركب . فأما في الملبس فهو أنهم لا يلبسون الفاخر من اللباس الذي يلبسه أشراف الناس وكبارهم من الشروب المرتفعة ولا الخز . إن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى النصارى من أهل الشام ألا يلبسوا عصبا ولا خزا فمن قدر على أحد منهم فعل من ذلك شيئا بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده . قال العصب هو البرد الذي يصبغ غزله وهو اليماني وقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم برد نجراني وقد كان خلع على كعب بن زهير برده عند إسلامه فباعه من معاوية وهو الذي لم يزل الخلفاء يتوارثونه ويتبركون به . وأما الخز فإنه لباس الأشراف ومن له عز فمن لا عز له في الإسلام يمنع من الثياب المرتفعة اقتداء بالخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز .
وأما لون ما يلبسون من الغيار فإنهم يلبسون الرمادي الأدكن وهذا غيار الطوائف كلها والنصارى يختصون بالرمادي لقولهم في الكتاب ونشد الزنانير على أوساطنا وهو المنطقة المذكورة في اللفظ الآخر فإن الزنانير مناطق النصارى ولا يكفي شدها تحت ثيابهم بل لا تكون إلا ظاهرة بادية فوق الثياب . قال الشافعي ويكفيهم أن يغيروا ثوبا واحدا من جملة ما يلبسون .