79 -صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّينَ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْقِتَالِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ الشَّلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ:"أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَعَانَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ سَنَةً , فَقَاتَلُوا مَعَهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ , وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ , وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَالَ دُونَ النَّفْسِ . وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الِاسْتِعَانَةَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْقِتَالِ . فَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى:"الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتَلَ النَّاسُ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالْمُشْرِكُ لَا يُقَاتِلُ لِذَلِكَ ; وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَاتَلَ عَنْهُ وَتُمْنَعُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ وَإِنْ اُسْتُعِينَ بِهِ فِي الْأَعْمَالِ وَالصَّنَائِعِ وَالْخِدْمَةِ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:"إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ . وَانْظُرْ بَحْثَ: ( جِهَادٌ ) - الِاسْتِعَانَةُ بِالْكُفَّارِ ."
80 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ , حَتَّى رَأَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ شَامِلٌ لِلْجِزْيَةِ . وَيُصْرَفُ الْفَيْءُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَمَرَافِقِ الدَّوْلَةِ الْهَامَّةِ: كَأَرْزَاقِ الْمُجَاهِدِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ وَسَدِّ الثُّغُورِ , وَبِنَاءِ الْجُسُورِ , وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ , وَإِصْلَاحِ الْأَنْهَارِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا , وَرَوَاتِبِ الْمُوَظِّفِينَ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَفِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ وَمَا يُرَاعَى فِيهِ يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: ( بَيْتُ الْمَالِ , وَفَيْءٌ ) .
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْجِهَادِ (1)
10 -الْقَصْدُ مِنْ الْجِهَادِ دَعْوَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْإِسْلَامِ , أَوْ الدُّخُولِ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ , وَجَرَيَانُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ , وَبِذَلِكَ يَنْتَهِي تَعَرُّضُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ , وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ , وَوُقُوفُهُمْ فِي طَرِيقِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ , وَيَنْقَطِعُ دَابِرُ الْفَسَادِ , قَالَ تَعَالَى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } . وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسِيرَتُهُ , وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ , وَتَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ: قَبُولُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ , أَوْ الْبَقَاءُ عَلَى دِينِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , وَعَقْدُ الذِّمَّةِ . فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا , فَالْقِتَالُ . وَلَا يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ , عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: ( جِزْيَةٌ , وَأَهْلُ الذِّمَّةِ ) .
مُجَاوَرَةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ (2) :
13 -لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْمُسْلِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ التَّعَرُّفِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَدْعَى لِإِسْلَامِهِ طَوَاعِيَةً . وَيُمْنَعُ مِنْ التَّعَلِّي بِالْبِنَاءِ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِ , وَهُوَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْجِوَارِ وَإِنَّمَا مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ , وَلِذَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى } , وَلِمَا فِي التَّعَلِّي مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْأَصَحِّ - بِمَا إذَا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِلِّينَ بِمَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ عِمَارَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ مِنْهُمْ إشْرَافٌ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَلَا مُجَاوَرَةَ عُرْفًا . وَقَيَّدَ الْحَلْوَانِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازَ الْمُجَاوَرَةِ بِأَنْ يَقِلَّ عَدَدُهُمْ بِحَيْثُ لَا تَتَعَطَّلُ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا تَقِلُّ جَمَاعَتُهُمْ بِسُكْنَاهُمْ بَيْنَهُمْ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَيُنْظَرُ فِي التَّفْصِيلِ مُصْطَلَحُ: ( أَهْلُ الذِّمَّةِ ) وَمُصْطَلَحُ: ( تَعَلِّي ) .
و - تَحْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ , وَتَغْرِيقُهُ بِالْمَاءِ , وَرَمْيُهُ بِالْمَنْجَنِيقِ (3) :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5588)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5681)
(3) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5609)