فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 743

32 -قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا , وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ , فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا } . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ , فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا ; لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ , وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَالْحَنَابِلَةُ , وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ , إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ .

33 -وَأَمَّا حِصَارُ الْقِلَاعِ: فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ , وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ , وَقَطْعُهُ عَنْهُمْ , وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَغَيْرِهِمَا ; لقوله تعالى: { وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ } { وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ , وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ } . وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْهَلَاكُ , وَوَافَقَ أَحْمَدُ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْلَ فَقَالُوا: يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ إذَا كَانُوا مَعَ مُسْلِمِينَ , أَوْ ذُرِّيَّةٍ أَوْ نِسَاءٍ , وَلَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَيُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ , وَلَوْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ , أَوْ نِسَاءٍ , أَوْ مُسْلِمِينَ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ الْغَرَقِ لَمْ يَجُزْ إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا , وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ جَازَ . وَإِذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ , وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا فِي إحْدَى الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ:

1 -أَنْ يُسَلِّمُوا فَيُحْرِزُوا بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .

2 -أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ , فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ , سَوَاءٌ أَعْطُوهُ جُمْلَةً , أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ , فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَبَذَلُوهَا لَزِمَهُ قَبُولُهَا ; لقوله تعالى: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . وَإِنْ بَذَلُوا مَالًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ فَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ قَبِلَهُ , وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إذَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ .

3 -أَنْ يَفْتَحَهُ .

4 -أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ , إمَّا لِضَرَرِ الْإِقَامَةِ , وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ , وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا , تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ , فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا , فَقَالَ: إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى غَدًا . . . } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت