فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 743

5 -أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ , فَيَجُوزُ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ } . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا فَقِيهًا كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى ; لِأَنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لَا يَضُرُّ هُنَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ , وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ , بِخِلَافِ الْقَضَاءِ , فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْبَصَرِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ , وَالْمُقَرَّ لَهُ مِنْ الْمُقِرِّ , وَيُعْتَبَرُ مِنْ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ , وَلَا يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا . وَلِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ . وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ , وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ , وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ جَازَ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا مَنْ يَصْلُحُ , وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا مَنْ لَا يَصْلُحُ , وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلًا يَصْلُحُ فَرَضِيَهُ الْإِمَامُ جَازَ ; لِأَنَّ { بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَجَازَ حُكْمَهُ وَقَالَ: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ } . وَإِنْ مَاتَ مَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ قَامَ مَقَامَهُ , وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ , أَوْ طَلَبُوا حُكْمًا لَا يَصْلُحُ , رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ , وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا , وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ جَازَ , وَإِلَّا رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ , وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ الشَّرَائِطُ فِيهِ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ . ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَمْ يَحْكُمْ , وَيُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا . 34 - وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ: فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ , وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ ; لِأَنَّ { سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ } وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ , فَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُ حُكْمُهُ , وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إلَيْهِ فِيمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ , فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ كَالْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ . وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَلْزَمُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ , وَلَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ , وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ , فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ , وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّبْيُ فِيهِمْ بِخِلَافِ مَنْ سُبِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ , وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ , لِأَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ , وَالْفِدَاءِ , وَالِاسْتِرْقَاقِ , وَالْمَنِّ , فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ , وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّرَاضِي , وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ , وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ جَازَ لِلْإِمَامِ الْمَنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ , لِأَنَّ { ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا مِنْ قُرَيْظَةَ وَمَالِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَجَابَهُ } . وَيُخَالِفُ مَالَ الْغَنِيمَةِ إذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ ; لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ , وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ , وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ , بِخِلَافِ الْأَسِيرِ , فَإِنَّ الْأَسِيرَ قَدْ ثَبَتَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ , وَلِذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت