فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 743

هذا التاريخ الطويل من الواقع العملي ; بالإضافة الى طبيعة المعركة المحتومة بين منهج الله الذي يخرج الناس من العبودية للعباد ويردهم إلى عبادة الله وحده , وبين مناهج الجاهلية التي تعبد الناس للعبيد . .

يواجهه المنهج الحركي الإسلامي بتوجيه من الله سبحانه , بهذا الحسم الصريح:

(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) . .

(وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) . .

فإما دخول فيما دخل فيه المسلمون , وتوبة عما مضى من الشرك والاعتداء . وعندئذ يصفح الإسلام والمسلمون عن كل ما لقوا من هؤلاء المشركين المعتدين ; وتقوم الوشيجة على أساس العقيدة , ويصبح المسلمون الجدد إخوانا للمسلمين القدامى ; ويسقط ذلك الماضي كله بمساءاته من الواقع ومن القلوب !

(ونفصل الآيات لقوم يعلمون) . .

فهذه الأحكام إنما يدركها ويدرك حكمتها الذين يعلمون وهم المؤمنين .

وإما نكث لما يبايعون عليه من الإيمان بعد الدخول فيه , وطعن في دين المسلمين . فهم إذن أئمة في الكفر , لا أيمان لهم ولا عهود . وعندئذ يكون القتال لهم ; لعلهم حينئذ أن يثوبوا إلى الهدى . .

كما سبق أن قلنا:إن قوة المعسكر المسلم وغلبته في الجهاد قد ترد قلوبا كثيرة إلى الصواب ; وتريهم الحق الغالب فيعرفونه ; ويعلمون أنه إنما غلب لأنه الحق ; ولأن وراءه قوة الله ; وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما أبلغهم من أن الله غالب هو ورسله . فيقودهم هذا كله إلى التوبة والهدى . لا كرها وقهرا , ولكن اقتناعا بالقلب بعد رؤية واضحة للحق الغالب . كما وقع وكما يقع في كثير من الأحايين .

إن علينا أن نتتبع موقف المشركين - على مدى التاريخ - من المؤمنين . ليتكشف لنا المدى الحقيقي لهذه النصوص القرآنية ; ولنرى الموقف بكامله على مدار التاريخ:

فأما في الجزيرة العربية فلعل ذلك معلوم من أحداث السيرة المشهورة . ولعل في هذا الجزء من الظلال وحده ما يكفي لتصوير مواقف المشركين من هذا الدين وأهله منذ الأيام الأولى للدعوة في مكة حتى هذه الفترة التي تواجهها نصوص هذه السورة .

وحقيقة إن المعركة الطويلة الأمد لم تكن بين الإسلام والشرك بقدر ما كانت بين الإسلام وأهل الكتاب من اليهود والنصارى . ولكن هذا لا ينفي أن موقف المشركين من المسلمين كان دائما هو الذي تصوره آيات هذا المقطع من السورة:

كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة !

يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم , وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله , إنهم ساء ما كانوا يعملون . ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة , وأولئك هم المعتدون . .

لقد كان هذا هو الموقف الدائم للمشركين وأهل الكتاب من المسلمين . فأما أهل الكتاب فندع الحديث عنهم إلى موعده في المقطع الثاني من السورة ; وأما المشركون فقد كان هذا دأبهم من المسلمين على مدار التاريخ . .

وإذا نحن اعتبرنا أن الإسلام لم يبدأ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنما ختم بهذه الرسالة . وأن موقف المشركين من كل رسول ومن كل رسالة من قبل إنما يمثل موقف الشرك من دين الله على الإطلاق ; فإن أبعاد المعركة تترامى ; ويتجلى الموقف على حقيقته ; كما تصوره تلك النصوص القرآنية الخالدة , على مدار التاريخ البشري كله بلا استثناء !

ماذا صنع المشركون مع نوح , وهود , وصالح , وإبراهيم , وشعيب , وموسى , وعيسى , عليهم صلوات الله وسلامه والمؤمنين بهم في زمانهم ? ثم ماذا صنع المشركون مع محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به كذلك ? . .

إنهم لم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة متى ظهروا عليهم وتمكنوا منهم . .

وماذا صنع المشركون بالمسلمين أيام الغزو الثاني للشرك على أيدي التتار ?

ثم ما يصنع المشركون والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرنا بالمسلمين في كل مكان ? . . .

إنهم لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة , كما يقرر النص القرآني الصادق الخالد . .

عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ"البداية والنهاية"لابن كثير فيما رواه من أحداث عام 656ه:

"ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان . ودخل كثير من الناس في الآبار , وأماكن الحشوش , وقنى الوسخ , وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون . وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات , ويغلقون عليهم الأبواب , فتفتحها التتار , إما بالكسر وإما بالنار , ثم يدخلون عليهم , فيهربون منهم إلى أعالى الأمكنة , فيقتلونهم بالأسطحة , حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة - فإنا لله وإنا إليه راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط . ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي , وطائفة من التجار أخذوا أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم . وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب , ليس فيها إلا القليل من الناس , بوقوعه:وهم في خوف وجوع وذلة وقلة . ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت