إذا تبين هذا فإن كان المعقود عليه حقا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط بل له أن يفسخه كما إذا شرط رهنا أو كفيلا أو صفة في المبيع ـ و إن كان حقا له أو لغيره ممن يتصرف له بالولاية و نحوها ـ لم يجز له إمضاء العقد بل ينفسخ العقد بفوات الشرط و يجب عليه فسخه كما إذا شرط أن تكون الزوجة حرة فظهرت أمة و هو ممن لا يحل له نكاح الإماء أو شرط أن يكون الزوج مسلما فبان كافرا أو شرط أن تكون الزوجة مسلمة فبانت وثنية و عقد الذمة ليس حقا للإمام بل هو حق لله و لعامة المسلمين فإذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد و فسخه: أن يلحقه بمأمنه و يخرجه من دار الإسلام ظنا أن العقد لا ينفسخ بمجرد المخالفة بل يجب فسخه و هذا ضعيف لأن المشروط إذا كان حقا لله ـ لا للعاقد ـ انفسخ العقد بفواته من غير فسخ
و هنا الشروط على أهل الذمة حق لله لا يجوز للسلطان و لا لغيره أن يأخذ منهم الجزية و يعاهدهم على المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها و إلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن و لو فرضنا جواز إقرارهم بدون هذا الشرط فإنما ذاك فيما لا ضرر على المسلمين فيه فأما ما يضر المسلمين فلا يجوز إقرارهم عليه بحال و لو فرض إقرارهم على ما يضر المسلمين في أنفسهم و أموالهم فلا يجوز إقرارهم على افساد دين الله و الطعن على كتابه و رسوله
و بهذه المراتب قال كثير من الفقهاء: إن عهدهم ينتقض بما يضر المسلمين من المخالفة دون ما لا يضرهم و خص بعضهم ما يضرهم في دينهم دون ما يضرهم في دنياهم و الطعن على الرسول أعظم المضرات في دينهم
إذا تبين هذا فنقول: قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب الرسول و هذا الشرط [ ثابت ] من وجهين:
أحدهما: أنه موجب عقد الذمة و مقتضاه كما أن سلامة المبيع من العيوب و حلول الثمن و سلامة المرأة و الزوج من موانع الوطء و إسلام الزوج و حريته إذا كانت الزوجة حرة مسلمة هو موجب العقد المطلق و مقتضاه فإن موجب العقد هو ما يظهر عرفا أن العاقد شرطه و إن لم يتلفظ به كسلامة المبيع و معلوم أن الإمساك عن الطعن في الدين و سب الرسول مما يعلم أن المسلمين يقصدونه بعقد الذمة و يطلبونه كما يطلبون الكف عن مقاتلتهم و أولى فإنه من أكبر المؤذيات و الكف عن الأذى العام موجب عقد الذمة و إذا كان ظاهر حال المشتري أنه دخل على أن السلعة سليمة من العيوب ـ حتى يثبت له الفسخ بظهور العيب و إن لم يشرطه ـ فظاهر حال المسلمين الذين عاقدوا أهل الذمة أنهم دخلوا على أن المشركين يكفون عن إفساد دينهم و الطعن فيه بيد أو لسان و أنهم لو علموا أنهم يظهرون الطعن في دينهم لم يعاهدوهم على ذلك و أهل الذمة يعلمون ذلك كعلم البائع أن المشتري إنما دخل معه على أن المبيع سالم بل هذا أظهر و أشهر و لا خفاء به
الوجه الثاني في ثبوت هذا الشرط: أن الذين عاهدوهم أولا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عمر و من كان معه و قد نقلنا العهد الذي بيننا و بينهم و ذكرنا أقوال الذين عاهدوهم و هو عهد متضمن أنه شرط عليهم الإمساك عن الطعن في دين المسلمين و أنهم إذا فعلوا ذلك حلت دماؤهم و أموالهم و لم يبق بيننا و بينهم عهد و إذا ثبت أن ذلك مشروط عليهم في العقد فزاوله يوجب انفساخ العقد لأن الانفساخ أيضا مشروط عليهم و لأن الشرط حق الله كاشتراط إسلام الزوج و الزوجة فإذا فات هذا الشرط بطل العقد كما يبطل إذا ظهر الزوج كافرا أو المرأة وثنية أو المبيع غصبا أو حرا أو تجدد بين الزوجين صهر أو رضاع يحرم أحدهما على الآخر أو تلف المبيع قبل القبض فإن هذه الأشياء ـ كما لم يجز الإقدام على العقد مع العلم بها ـ أبطل العقد مقارنتها له أو طروؤها عليه فكذلك و جود هذه الأقوال و الأفعال من الكافر لما لم يجز للامام أن يعاهده مع إقامته عليها كان وجودها موجبا لفسخ عقده من غير إنشاء فسخ على أنا لو قدرنا أن العقد لا ينفسخ إلا بفسخ الإمام فإنه يجب عليه فسخه بغير تردد لأنه عقده للمسلمين فإنه لو اشترى الولي سلعة لليتيم فبانت معيبة وجب عليه استدراك ما فات من مال اليتيم و فسخه يكون بقوله و بفعله و قتله له فسخ لعقده نعم لا يجوز له أن يفسخه بمجرد القول فإن فيه ضررا على المسلمين و ليس للسلطان فعل ما فيه ضرر على المسلمين مع القدرة على تركه و قولنا: [ إن الذمي انتقض عهده ] أي لم يبق له عهد يعصم دمه و الأول هو الوجه ن فإن بقاء العقد مع وجود ما ينافيه محال نعم هنا اختلف الفقهاء فيما ينافي العقد فقائل يقول: جميع المخالفات تنافيه بناء على أنه ليس للإمام أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط عمر
و قائل يقول: التي تنافيه هي المخالفات المضرة بالمسلمين بناء على جواز مصالحتهم على ما هو دون ذلك كما صالحهم النبي صلى الله عليه و سلم أولا حال ضعف الإسلام
و قائل يقول: التي تنافيه هي ما يوجب الضرر العام في الدين أو الدنيا كا لطعن على الرسول و نحوها
و بالجملة فكل ما لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع كونهم يفعلونه فهو مناف للعقد كما أن كل ما لا يجوز للمتبايعين و المتناكحين أن يتعاقدا مع وجوده فهو مناف للعقد
و إظهار الطعن في الدين لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم أعنى مع كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا و هذا مما أجمع المسلمون عليه و لهذا بعضهم يعاقبون على فعله بالتعزير و أكثرهم يعاقبون عليه بالقتل